جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
المناسبات
 
 
كلمة السيد ابو القاسم الديباجي في ذكرى استشهاد الامام الخوئي و هدم قبة الامامين العسكرين

 

من أهم الأمور في نظام الشيعة ومذهب الإمامية والتي حث عليها الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم بالاهتمام بها أمران هما : العتبات المقدسة والمرجعية .

 فيما يخص الأمر الأول وهو العتبات المقدسة ، فهي قبور وأضرحة أئمتنا (عليهم السلام) وأماكن للعبادة والمشاهد المقدسة التي تقوم بتصفية النفوس من شوائبها و علائقها و تمنحها الآمل وتبث فيها الطمأنينة ، فتتوافد عليها جموع الزائرين القادمين إليها من كل بقاع الأرض أملين في نيل البركة و الشفاعة، فهم في هذه الأماكن المقدسة يلتمسون الرحمة والنصر والعون وقضاء الحوائج من الله سبحانه وتعالى ويجعلون من الأئمة الأطهار شفعاء عند ربهم، فهم عباده الصالحون وأولياءه المقربون ، وكل من يدخل هذه العتبات المقدسة يشعر في نفسه بنوع من التجاذب الروحي إلى أصحاب هذه الأضرحة وينسى همومه ومشاكله اليومية ويتجه بكل تفكيره نحو الضريح أملاً في نيل البركة والشفاعة منه فيخرج وقد امتلأ أملاً ورجاءً .

ولذلك فمحاولة تخريب وضرب وهدم العتبات المقدسة والمشاهد الشريفة للإمامين علي الهادي وحسن العسكري (عليهما السلام) قبل ثلاث سنوات لم تنل من عقيدتنا الثابتة تجاه أئمتنا المعصومين ( عليهم السلام ) ولم تمس عزيمتنا في توحيد الأمة و نبذ الطائفية ، ولم ولن تثنينا عن التمسك الشديد بمقدساتنا الإسلامية و الالتفاف حول مرجعيتنا العليا ، و الدفاع عنها حتى أخر الرمق الأخير في حياتنا .

بل على العكس لقد أشعلت هذه الحادثة مشاعر البشرية جمعاء نحو قدسية هذه الأماكن الشريفة التي لن تندثر وستبقى باقية شامخة في قلوب محبيها و عشاقها إجلالاً و تقديراً .

 

وفيما يخص الأمر الثاني وهو المرجعية ، في أمور الدين فهي أصل ثابت وهام جداً بالنسبة للشيعة الإمامية ، ذلك أن من الفرض عليهم التقليد في مسائلهم الشرعية وأحكام دينهم إن لم يكونوا هم بالذات من العلماء المجتهدين ، وكما يقول علي الهادي (ع) بخصوص المرجعية : لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إلى الله والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ومن فخاخ  النواصب لما بقى أحد إلا ارتد عن دين الله .

 ولذا يتحتم على عامة الناس الرجوع إلى عالم روحي ملمّ بأصول وفروع الدين ويمتلك المقدرة الكاملة والسليقة الذاتية في الربط بين الأحكام والتفريغ فيها وصولاً إلى استنباط الأحكام المحددة بشأن المسائل المستحدثة في العصر الذي هو فيه، لكون هذا العالم الروحي قد وصل في دراسته المتعمقة وبحوثه المتواصلة للفقه وعلوم الشريعة إلى مرحلة الاجتهاد. أي إلى تلك المرحلة التي تمكنه من الاجتهاد في الأحكام وإصدار الفتاوى عن جدارة وقابلية تامتين. وبعبارة أخرى تمكنه من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فباب الاجتهاد عند شيعة الامامية مفتوح على مصراعيه منذ عصر الأئمة الأطهار عليهم السلام وحتى عصرنا الحاضر.

و المرجعية بالمفهوم اللغوي هي محل الرجوع ، وعلى هذا فإن المرجعية الدينية هي رجوع عامة الناس الذين يجدون صعوبة في الرجوع إلى المنابع الفقهية الأربعة من الكتاب والسنة والعقل والإجماع لاستنباط الأحكام الشرعية في أمور العبادات والمعاملات إلى الاختصاصي في هذا العلم ومن له قوة النظر واستنباط الأحكام الشرعية لاسيما في الحوادث الواقعة وهي ما يبتلى بها الناس مستحدثات الأمور والتي لم تكن معهودة في زمن المشرّع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام ، ومثل هؤلاء العلماء يُعرف بالمرجع الديني .

 

ولابد أن تتوفر في المرجع الديني صفات ذكرها الأئمة المعصومين عليه السلام في أحاديثهم حيث قالو : فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه .

 

والتقليد هو التطبيق العملي لما يصدره المرجع الديني من أحكام وفتاوى بعد تحميله مسئولية القيادة المرجعية ، وليس لجهة حكومية أو سلطة سياسية يد في اختيار المرجع الديني –  وهي ابرز عومل القوة في نظام الرجعية الدينية العليا لدى الشيعة الإمامية – بل إن مسئولية اختيار المرجع الجامع للشرائط تقع على أهل العلم والاجتهاد الذين عرفوا شخصية المرجع عن قرب وحضروا دروسه ، ثم وجوب الرجوع إليه وجوبا شرعياً .

ولابد من القول أن مبدأ الاجتهاد في الدين يعتبر ضرورة أساسية لا يمكن الاستغناء عنه أبداً ، وأن مثله كمثل الاجتهاد في العلوم المادية التي يعنى وقف الاجتهاد فيها إيقاف عجلة الزمن! وهو أمر مستحيل. إذ لا يمكن الوقوف أمام اندفاع الزمن وزخمه المتقدم نحو آفاق التطور والتحول والتغيير المستمر ، وقد بات الاجتهاد ضرورة ملحة أكثر بكثير مما كان عليه في الماضي، وذلك لكثرة وتشعب المسائل المستحدثة في هذا العصر، مما يتطلب اجتهاداً بشأنها. وبدون الاجتهاد لا يمكن اتخاذ موقف ديني محدد تجاهها.

 

لذا فقد كان ارتحال المرجع الديني الكبير  سلطان الفقهاء و المجتهدين الإمام الخوئي له الأثر العميق في قلوب جميع المسلمين، وخصوصاً أتباع أهل البيت عليهم السلام. حيث أعلن عن نبأ وفاته في اليوم الثامن من صفر من عام 1413 للهجرة في ظروف غامضة ظلماً وعدواناً. بعد أن استهدفته الزمرة البعثية الخبيثة تحت أمر المجرم الطاغية التي طالما تلطخت يداه الإجرامية وزمرته بدماء الأبرياء المظلومين وخصوصاً دماء علماء ومراجع حوزة النجف الأشرف . وبذلك كانوا يريدون إطفاء نور الله الذي يأبى الله إلا أن يتمه ولو كره الكافرون. وكان الإمام من جهابذة الزمان وعمالقة التاريخ، وقد نال مرتبة الاجتهاد في سن مبكرة من عمره الشريف، وبلغ بعلمه وفكره السنام الأعلى من مراقي هذه المرتبة الشامخة. فكان عموداً من أعمدة صرح المرجعية الدينية العليا. بل ملك وسلطان مملكة الفقاهة والافتاء بلا منازع بشهادة أكابر مراجع التقليد والفقهاء لاسيما المرجع الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني الذي قال في شأنه: " كان أعلى الله مقامه، نموذج السلف الصالح بعبقريته الفذة ومواهبه الكثيرة ومكانته الشريفة التي أهلته لان يعد في الطليعة من علماء الإمامية الذين كرسوا حياتهم لنصرة الدين والمذهب".

 

ولقد كان السيد الخوئي قدس الله سره الشريف سلطان الفقاهة والإفتاء وزعيم الحوزات العلمية كما صرح بذلك كبار المراجع والمجتهدين . ومن علو مقامه أن تلامذته من المجتهدين دخلوا ساحة المرجعية وتقلدوا زمامها بعد ارتحاله مباشرة ، وهي في حد ذاتها ميزة انفرد بها في تاريخ المرجعية ، كما انه انفرد بتخرج ما يزيد على الألف مجتهد من حوزة بحثه وتدريسه ، وكانت له السابقة في تأسيس المؤسسات الخيرية بما لها من نشاطات دينية وثقافية واجتماعية ، ولاستمرار أعلميته فان ما يقارب المائتي مليون شخصا باقون على تقليده بعد رحيله بإذن مختلف المراجع الحاليين .

فما على النفس فاجعة أعظم من فقدان مثل هؤلاء الرجال فاجعة، خصوصاً أن نهجهم كان حمل الأمانة الملقاة على عاتقهم حقبه بعد أخرى وقرناً بعد قرن. هدفهم في ذلك المحافظة على كيان عريض بناه أهل البيت عليهم السلام، ويعجز القلم عن بيان آثاره العلمية وعطاءاته الفكرية في علوم الفقه والأصول وعلم الرجال والتفسير، حيث خلف وراءه كنزاً ثميناً من جواهر العلم وتراثا فقهياً واسعاً يتباهى به أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام والمسلمين عامة.

 

ونشاطاته الفكرية لم تقتصر على الجوانب العلمية والفقهية وتأسيس المؤسسات الخيرية والمبرات ودور العلم بما لها من نشاطات دينية وثقافية واجتماعية فحسب. بل أنه خاض معترك الحياة السياسية كلما دعت المصلحة الإسلامية إلى ذلك، وكان في أواخر أيامه الشريفة يقود الانتفاضة الشعبية في عام 1991 ضد النظام الصدامي الجائر المعروف بالانتفاضة الشعبانية التي اندلعت بعد تحرير الكويت مباشرة، وتحررت فيها أربع عشرة محافظة من براثن الطغمة الحاكمة وعصاباتها آنذاك. وكان كسائر مراجع التقليد عبر العصور والأزمنة، أباً رحيماً للأمة وملجأ آمناً يلجأ إليه الناس كلما هبت عليهم عواصف المهن والبلاء، فيمنحهم القوة في مواجهة الحملات الشرسة من قبل أعداء الدين والعقيدة الإنسانية.

 

هذا بجانب موقفه الصارم تجاه الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت وتخصيصه جزءاً كبيرا من سهم الإمام من أخماس الأموال للمتضررين من الغزو ومساهمته الفعالة في تحرير ما يزيد على ستمائة أسير كويتي وتحريمه التصرف بالمسروقات الكويتية أثناء الغزو العراقي على الرغم من المعاناة التي كان يعيشها سماحته نتيجة ضغوطات النظام الصدامي العفلقي وحصاره والتضييق عليه ، وهكذا لا ننسى الفتوى المعروفة للإمام الخوئي بكل شجاعة في أيام صدام وجلاوزته بتحريم بيع وشراء والتصرف في المسروقات من الكويت. وهكذا أصدر فتوى بأن يتم صرف مبالغ من سهم الإمام لكل من يريد المساعدة في تلك الأيام الحرجة .

 

فإننا و تعظيماً و إجلالاً منا لشعائر الله في هذا اليوم نقيم هذا المجلس الكريم إحياء لذكرى مناسبتين هامتين وعزيزتين على قلوبنا ،الأولى الذكرى السنوية لرحيل سلطان الفقهاء والمجتهدين الكبير الإمام الخوئي قدس الله سره الشريف وأبناؤه الشهداء والثانية الذكرى السنوية الثالثة لهدم قبور الإمامين العسكريين ( ع) .

 

 

 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com