جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/5/2012
الطريق إلى الله 16 - الشوق إلى الله (2-2)


أحبائي في الله.. اكمل معكم اليوم حديثنا عن الشوق الى الله واهميته في الطريق الى الخالق سبحانه وتعالى.. فقد قال بعض العارفين ان الشوق غلبة ذكر متمن واضطراب الصبر عن فقده وشدة طلبه وهو للعوام، والشوق يكون إلى غائب، اما في طريق الخواص فالمشتاق اليه حاضر، وشوق الخاص ان يكون هو غائبا والحق حاضرا، لذا اعتبر العرفاء ان الشوق علة عظيمة والمشتاق متعلق قلبه بغائب، وصاحب علة ومرض، لان الشوق انما يكون الى غائب والحق حاضر لا يغيب، ومذهب العرفاء انما قام على المشاهدة، ولهذه العلة لم ينطق القرآن باسمه، فالحركة الشوقية لا تتوقف عند حد اللقاء كما يراه بعض العلماء والحكماء فحسب، بل تزداد شدة وقوة ودواما عند اللقاء وتاليه، وعلى هذا فالمحب لغير الله تعالى يشتاق اليه عند غيبة ظاهر محبوبه وصورته، والمريد السائر اليه يشتاق في بادئ الامر الى لقائه عند غيبته عن قلبه، ومن ثم التعلق بتجليات اسمائه وصفاته، فيشتاق الى التلاق، ويتألم بالفراق، واما المحب لله المستغرق في حبه له والمتوجه بكله اليه فهو في مشاهدة دائمة لمحبوبه، وكلما زاد مشاهدة ونظرا اليه تجلى له جمال الحق اكثر فأكثر، فزاد حبا، فزاد شوقا، لذا يسمي اهل العرفان مشاهدة المحبوب شوقا.
وهناك فروق بين المعنى العرفاني لكل من الشوق والاشتياق فالشوق يكون من البعد والاشتياق من القرب المفرط، وان الشوق يسكن باللقاء، لانه هبوب القلب الى غائب اذا ورد سكن، والاشتياق يهيج باللقاء، لانه حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به لا يقدر ان يبلغ غاية وجده فيه، فلو بلغ سكن لانه لا يشبع منه، فان الحس لا يفي بما يقوم في النفس من تعلقها بالمحبوب، فهو كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا وان الشوق بتحصيل اللقاء يزول والاشتياق مع الوصال يكون.
قال الله عز وجل في كتابه {من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت} فمن اراد السير الى الله تعالى مشتاقا اليه يرجو في ذلك لقاءه لابد ضرورة ان يتحرك اليه بروحه ويفني عن نفسه ويتجرد عن هيكله حتى يتم اللقاء ويتبدل شوق الفراق الى ما هو اعظم منه واشد وهو الشوق الى روح القرب والوصال، ويحمل اكثر المفسرين كلمة {لقاء الله} على يوم الحساب والجزاء والثواب، لان حد نظرهم متوقف عند السعادة التي مفهومها التلذذ بالنعم الجسمانية في الجنة الحسية، ولم يعلموا ان الفضيلة والسعادة غير منحصرة بالامور المادية، بل ان السعادة وكل السعادة في القرب الى جوار الرحمة الالهية ودرك الفيوضات الروحانية والرحمانية.
واما مراحل الشوق التي يطويها السالك المشتاق حتى الوصول الى الله تبارك وتعالى فهي أربعة: 1 – الشوق ادراك لذة المحبة اللازمة لفرط الارادة الممتزجة بألم المفارقة، 2 – وهو في حال السلوك بعد اشتداد الارادة يكون ضرورية وربما كان حاصلا قبل السلوك وذلك اذا حصل الشعور بكمال المطلوب ولم تنضم اليه القدرة على السير وقل الصبر على المفارقة، 3 – وكلما ترقى السالك في سلوكه كثر الشوق وقل الصبر، 4 – حتى يصل الى المطلوب فتخلص حينئذ لذة نيل الكمال من الألم وينتفي الشوق.
فأولى مراحل الشوق ومبدؤه هو ادراك لذة المحبة والعشق في اتصال المريد بالمراد عن اشتداد الميل والارادة، وهذه اللذة فيها ضرب ألم من المفارقة وطلب المشتاق المتمني الى لقاء المحبوب، وتشتد ضرورة الشوق وملازمته له في حال السلوك مع اشتداد الارادة، وضرورة الشوق قد تكون سابقة على السلوك عند ادراك كمال المطلوب وعدم انضمام القدرة اللازمة على الحركة والسير واشتداد ألم المفارقة وعدم الصبر عليها، ثم ترتفع مراتب الشوق ويضطرب الصبر عن الفقدان والمفارقة مع الترقي في مدارج السلوك شيئا فشيئا الى ان يصل السالك الى مطلوبه، فتصفو لذة الوصول الى نيل الكمال من شائبة ألم المفارقة، وينتفي الشوق، ولا يشعر بشيء سوى لقاء المحبوب ولذة وصاله، وقد يكون معنى انتفاء الشوق ان السالك بعد الوصول الى المحبوب يتخلص من الإنية والإثنينية فينتفي الشوق من البين، وطي مراحل الشوق الى الكامل المطلق لا يكون الا بالنور المسبب للكشف والظهور، فكما ان نور بصر عين الظاهر لادراك المبصرات والمحسوسات فان نور بصيرة عين القلب لادراك المجردات والتجليات، وحب الجمال امر فطري مودع في جبلة كل انسان، الا ان شعلة نور الجمال الازلي لا يتوقد في القلب الا برفع الحجب والموانع عنه، ومع رفعها شيئا فشيئا يتجلى ذلك النور اكثر فأكثر فينير المسلك الى مبدأ البهاء والجمال، ومن ثم يفيض الله تعالى عليه من انواره وألطافه ما يشاء.
وإلى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة أخرى على الطريق إلى الله.

السيد أبوالقاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي



 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com