جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/10/2012
الطريق إلى الله 21 - الصمت

أحبائي في الله.. يقول المولى عز وجل في محكم آياته {فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} فكان الصمت من العبادات ومن طرق التقرب الى الله كالصوم عن الطعام والماء والشهوات في هذا الشهر العظيم شهر رمضان المبارك، كذلك قال عز من قائل {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً} فكان الصمت آية من آيات الخالق سبحانه وتعالى لعباده المخلصين.. لكن الصمت يكون في الامتناع عن التكلم مع البشر وليس الامتناع عن ذكر الله ونطق اسمه الذي بذكره تتعطر الافواه والألسنة وبذكره تطمئن القلوب، فلا يكون من الصمت عن ذكر الله كذلك لا تصمت في صلاتك ولا تكن صلاتك صامتة.. لكن يمكنك ان تمسك كلامك عن الناس ويصبح كلامك عن ذكر الله فقط دون غيره والتسبيح والحمد لله وشكره على نعمه وفضله والدعاء له والاستجارة به.
وقال رسول الله (ص): «عليك بطول الصمت فإنه مطردة الشيطان وعون لك على أمر دينك»، وقال أبوالحسن الرضا (ع): «من علامات الفقه العلم والحلم والصمت، ان الصمت باب من ابواب الحكمة، ان الصمت يكسب المحبة انه دليل على كل خير»، وعن أبي عبدالله (ع) قال: «لايزال العبد المؤمن يكتب محسنا مادام ساكتا فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا» وعن الصادق (ع) نقلا عن آبائه (ع) قال: «الصمت عبادة لمن ذكر الله».
لذا الصمت الدائم طريق الى الله، فعلى الإنسان ان يلزم الصمت في موطن مادام الكلام فيه معصية وخلاف للشرع وخوض في الباطل وتعد لحق الادب مع الحق عز وجل، وان يكون كمن وصفهم الله تعالى بقوله: {والذين هم عن اللغو معرضون}، اما اذا كان التكلم في ذكر الله ولله وفي مرضاة الله وبميزان ما شرع الله فلا بأس به وعلى الخصوص اذا كان مؤداه احقاق حق ونشر فضيلة أو ابطال باطل وقمع رذيلة، وقد قال رسول الله (ص): «رحم الله عبدا تكلم خيرا فغنم أو سكت عن سوء فسلم»، وقال الإمام علي (ع) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: «يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم فان الله تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة، ومن امسك لسانه فقد تصدق على نفسه وانجاها من العذاب والتهلكة.
وفضلاً على الأمر باجتناب الكلام في المعصية والحرام فقد وردت احاديث في اجتناب فضول الكلام ومدح الصمت عنه، منها قول الامام علي (ع): «طوبى لمن انفق الفضل من ماله وامسك الفضل من قوله»، وفي هذا الحديث حث على اجتناب فضول الكلام وهو التكلم بما لا فائدة فيه او ما كان زيادة على قدر الحاجة فهو مذموم وان كان مباحاً ولم يكن فيه اثم لانه موجب لتضييع الوقت والابتعاد عن ذكر الله والفكر في آلاء الله وآياته وأنعمه، وبالتالي فهو موجب للخسران المبين.
وطول الصمت ينشأ عن شدة مراعاة الانسان حين التلفظ او التكلم ودوام المراقبة والمحاسبة وترك ما لا يعنيه ولهذا قيل: «الصمت حكم وقليل فاعله» ولا يتمكن من ذلك الا بمعرفته حدود الله تعالى في ذلك ومعرفة المواطن التي ينبغي له ان يصرف كلامه فيها وقد قال سيد البشر (ص): «وهل يكب الناس في النار على مناخرهم الا حصائد السنتهم» وقد قيل: «لا شيء احق بسجن من لسان وقد جعله الله خلف بابين الشفتين والاسنان»، ولما قيل ان «ما كل حق يقال هو في رضا الله» فكيف بالخوض في الباطل والذكر القبيح كالكذب والزور والشماتة والبهتان وغيرها من ذمائم اللسان وآفاته.
وهذا صمت العوام، واما صمت العارفين فهو – علاوة على ما مضى - ناشئ عن هيبة وتعظيم وحضور وحياء ومراقبة ومراعاة وسامع كلام الحق باذن القلب على الدوام، لأن المعرفة بالله تعطي ذلك كله، فمن عرفه شاهده ومن شاهده هابه وعظمه واتقاه، وما دام ان قلبه يصغي لكلام الحق ويستقبل تجلياته على الدوام فهو صامت على الدوام، وقد قيل: «كم بين عبد سكت صوناً عن الكذب والغيبة وعبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة».
ومن صفات المؤمن المتقي انه «كثير الصمت»، وقال الامام الصادق (ع) في صفات المؤمنين الكاملين: ألسنتهم مسجونة وصدورهم وعاء لسر الله ان وجدوا له اهلاً نبذوه اليه نبذاً وان (لم يجدوا له أهلا القوا على السنتهم اقفالا غيبوا مفاتيحها وجعلوا على افواههم اوكية)، ثم قال (ع) فيهم ايضا: «حليتهم طول السكوت وكتمان السر».
وقيل عن احد العرفاء انه كان قليل الكلام طويل الصمت شديد الحضور كثير الاشتغال بذكر الله، وقد ذكر احد تلامذته انه كان على تلك الحالة على الدوام حتى انه حينما كان يسكت اثناء الدروس بين حين وآخر كان يشتغل بذكر الله، وكان لا يتكلم الا اذا سئل واذا اجاب اختصر وافاد، وذات يوم سئل عن سبب هذا السكوت الدائم فقال: اتفكر في ذنوبي وتقصيري واتفكر في نفسي واعد لها جوابا عند الحضور يوم القيامة في محكمة رب العالمين!!
نعم، هذا هو العارف الواصل الذي باع نفسه لله تعالى واشتراها منه ربه فذاق طعم محبة الله وقربه ورأى من ربه ما اعطاه الهيبة والاجلال والتعظيم وادى به الى السكوت الدائم والمناجاة الدائمة والخلوة مع ربه على الدوام ومع ذلك لا يدعي لنفسه شيئا بل يرى نفسه اقل «الناس واعظم المذنبين والمقصرين».
فلنجعل شعارنا الصمت حتى ننال رضا الله سبحانه وتعالى كما قال الصادق (ع): «الصمت شعار المحققين بحقائق ما سبق وجف القلم به، وهو مفتاح كل راحة في الدنيا والآخرة، وفيه رضاء الرب، وتخفيف الحساب والصون عن الخطايا والزلل، فقد جعله الله سترا على الجاهل، وزينا للعالم، ومعه عزل الهوى، ورياضة النفس وحلاوة العبادة، وزوال قسوة القلب، والعفاف والمروءة والظرف فاغلق باب لسانك عما لك بد منه، لاسيما اذا لم تجد أهلا للكلام والمساعدة في المذاكرة لله وفي الله».
والى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة اخرى على الطريق الى الله

السيد ابو القاسم الديباجي
الامين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com