جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/12/2012
الطريق إلى الله - 23 ( عثرة حب الدنيا 2-2 )

احبائي في الله.. بعد ان تحدثنا عن سبيل التقرب الى الخالق سبحانه وتعالي، وبعد ما يدخل السالك في طريقه الى ربه فلا بد ان يصطدم ببعض العثرات والموانع التي يضعها له عدو الله الشيطان اللعين في محاولة منه لإعاقته عن مواصلة سيره في طريقه الى الله، لذا يجب علينا ان نحترس جيداً من مكره وان ننتبه لاساليبه وسنذكر بعون الله تعالى العثرات التي تكون في الطريق الى الله سبحانه وتعالى وتبعدنا عنه.. ورأس هذه العثرات هو حب الدنيا، فان حب الدنيا والسعي وراء اللذات والشهوات عثرة من عثرات الطريق الى الله سبحانه وتعالى، يقول الامام زين العابدين علي بن الحسين في دعائه «سيدي اخرج حب الدنيا من قلبي واجمع بيني وبين المصطفى وآله»، فاخراج حب الدنيا من القلب مفتاح لاجتناب المحارم واقتراف الذنوب والمعاصي، وكلما ازداد الانسان حباً للدنيا ازداد بعدا عن الله تبارك وتعالى، بل لا يجتمع حب الله وحب الدنيا في قلب، كذلك لا يجتمع حب الدنيا وحب رسول الله (ص) واهل بيته (ع)، فقد جاء في قول الامام ابي عبدالله الصادق (ع): «والله ما احب (الله) من احب الدنيا»، وقول مولانا الامام علي (ع): «من احبنا اهل البيت فليعد للفقر جلبابا»، اي ليزهد في الدنيا ويبتعد عن الخوض في ملذاتها وهواها ويخالف النفس ولاتها وعزاها حتى يحشر يوم القيامة في زمرة المصطفى (ص) وآله (ع)، والحشر مع المصطفى وآله حشر خاص ينافي حب الدنيا والتعلق بها.
واللذات في هذه الدنيا ثلاث: الأولى: اللذة الحسية بقضاء شهوتي البطن والفرج وما يتعلق بالحواس الظاهرية من النظر والسمع والشم والتذوق واللمس.
الثانية: اللذة التخيلية (الخيالية)، الحاصلة من الظن والشك والانانية وحب المال والجاه والرياسة والشهرة وما شاكلها.
الثالثة: اللذة العقلية، الحاصلة عن طريق معرفة الاشياء والوقوف على حقائها.
واقوى اللذات عند عامة الناس الذين يعتقدون انها اسباب الوصول الى غاية السعادة وكمال البهجة هي اللذات الحسية الاكل والشرب والوقاع وهي لذة يشاركه فيها الحيوان.
وعلى هذا فالميزة التي يمتاز به الانسان عن الحيوان ويرفعه عن حضيض الخساسة والبهيمية هو العقل الذي يحبسه ويحده في قضاء الشهوات المادية والانسانية فيمنعه من الخوض فيها ويدفعه الى التقليل منها، وعن الامام الصادق (ع) انه قال: «ابعد ما يكون العبد من الله عز وجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه»، وما يعنيه الامام (ع) بالاهتمام بهاتين الشهوتين هو الافراط فيهما والا فالشرع والعقل يحكمان بقضائهما في حدودهما وذلك ابقاءً للنوع وحفاظا على سلامة البدن.
وتعرف شدة الحرص على الاكل والجماع وغيرهما من الشهوات بالشره، وتقابله العفة وهي – كما يقول الراغب في مفرداته – حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، وتطلق غالبا على عفة البطن والفرج ومنعهما عن المحرمات والشبهات والصبر عليها وهي فضيلة بين رذيلتي الخمود والفجور.
قال الامام الصادق (ع): «ان طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات – اعني الحلال ليس الحرام – فأنِف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم، فألقى الله في هَمّة أولئك الملائكة اللذات والشهوات كي لا يعيبوا المؤمنين، فلما احسوا ذلك من همهم عجّوا الى الله من ذلك، فقالوا ربنا عفوك عفوك ردنا الى ما خلقنا له واجبرتنا عليه، فإنا نخاف ان نصير في امر مريج، فنزع الله ذلك من همهم، فاذا كان يوم القيامة وصار اهل الجنة في الجنة استأذن اولئك الملائكة على اهل الجنة فيؤذن لهم فيدخلون عليهم فيسلمون عليهم ويقولون لهم {سلام عليكم بما صبرتم} في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال».
واما اللذات التخيلية فهي من حيث المرتبة اعلى من اللذات الحسية لوجوه كثيرة، فعلى سبيل المثال حينما يشعر طالب الماء بالاهانة والتصغير عندما يعرض عليه الماء فانه يرفضه ويتحمل ألم العطش مراعاة لحشمته وعلو نفسه التي هي آثر عنده من الارتواء بالماء، او حينما يتنافس البعض على مقاعد الرئاسة والمنصب فان عرض عليهم المطعوم أو المشروب فانهم يرفضونه في مقابل التلذذ بالغلبة الوهمية، الى غير ذلك من الوقائع التي تشير الى استعلاء اللذات الخيالية والباطنية على اللذات الحسية والظاهرية.
واللذات التخيلية وان كانت اعلى مرتبة من اللذات الحسية والشهوات المادية الا انها الخطر الذي يهدد سير السالك الى الله ويجعله في مواقف ان لم ينتبه لها ويحذر منها يؤول امره الى الوقوع في خطر عظيم لا يسلم منه، ويمكن القول لان جميع اللذات التخيلية دون شأن السالك والعارف، ولكن كيف يمكن علاج حب الدنيا والميل اليها بالملذات والشهوات؟!
علاج ذلك بالاكثار من ذكر الله تبارك وتعالى وذكر اسمائه وصفاته الجلالية والجمالية، وكذلك الاكثار من ذكر الموت كما قال سيد المرسلين (ص): «اكثروا ذكر الموت فانه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات»، وكما قال الامام علي (ع): «اكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم اليه انفسكم بالشهوات وكفى بالموت واعظا» وما قاله الصادق (ع) «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعد الله ويرق الطبع ويكسر اعلام الهوى ويطفئ نار الحرص ويحقر الدنيا».
واعلم ايها المؤمن ان الكف عن ملذات الدنيا وعلائقها ومجاهدة النفس بدفعها عن شهواتها توجب صفاء القلب وطهارته ومع صفاء القلب وطهارته يتوجه الانسان الى ربه ويأنس بذكره، ولا يكون ذلك الا بالمعرفة وكثرة ذكر الله وذكر أسمائه وصفاته الجلالية والجمالية والاستغراق فيها والمواظبة عليها والتخلق بأخلاق الله عز وجل وكمالاته، وذلك بتقليص الحاجات وتقليل اللذات والشهوات وترك المخالفات وتكثير الخيرات وحسنات الصفات بالعبادات والرياضات حتى تنمو فيه الاستعدادات الالهية وترتفع الحجب بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، فيقر بجهله وفقره وعجزه ونقصه في مقابل العلم والغنى والقدرة والكمال المطلق وتذوب ارادته في ارادة الله وعلمه في علم الله وقدرته في قدرة الله ويسلم زمام امره بيد الله ويكون الله هو المدبر في بدنه وقلبه وعقله وروحه فيرى بنور الله ويسمع بسمع الله ويريد بإرادة الله ولا يشاء الا ما شاء الله.
والى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة اخرى على الطريق الى الله.

السيد ابو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com