جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/13/2012
الطريق إلى الله - 24 ( عثرة حب الدنيا 2-2 )

أحبائي في الله.. اليوم نكمل حديثنا عن آفة حب الدنيا والسعي وراء الشهوات.. قال الله تعالى في كتابه الكريم {ولكم الأرض مستقر ومتاع إلى حين} (البقرة: 36)، فالله تبارك وتعالى ينبئ عباده ان الاستقرار في الارض في حد محدود، ومتاعه الى اجل معدود، والبقاء فيه غير مقصود، ولا نسبة بين المتناهي واللامتناهي، ليزول بذلك اللبس والعماية عن الذين سلكوا في الحياة الدنيا الى الغايات المجازية والمبالغ الوهمية وقصرت مساعيهم في تشييدها وعمارتها فاتخذوها دارا للمقر بلا بصيرة قلب ولا دراية عقل الى ان يأتيهم الموت بغتة فيفسد عليهم دنياهم وآخرتهم.
قال سيد المرسلين (ص): «ما لي والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مر للقيلولة في ظل شجرة في يوم صيف ثم راح وتركها»، وقال الامام علي (ع): «ان اهل الدنيا كركب بينا هم حلول اذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا»، وقال علي (ع) محذرا: «واحذركم الدنيا فإنها دار قلعة وليست بدار نجعة، دار هانت على ربها فخلط خيرها بشرها وحلوها بمرها لم يرضها لاوليائه ولم يضن بها على عباده».
وعن الثمالي عن علي بن الحسين (ع) انه قال يوما لاصحابه «اوصيكم بدار الآخرة ولا اوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون وبها متمسكون، اما ابلغكم ما قال عيسى بن مريم (ع) للحواريين!! قال لهم الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها»، وقال (ع): «ايكم يبني على موج البحر دارا تلكم الدار الدنيا فلا تتخذوها قرارا».
وهناك شواهد كثيرة من القرآن الكريم تدل على مجازية الدنيا وتوسطها بين المبدأ والمعاد، كقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} (الأعراف: 29)، وقوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} (الانبياء: 104)، فعلى الانسان ان يعرف العوالم السابقة لنشأته في عالم الدنيا والمادة والطبيعة والعوالم اللاحقة لها.
فالدنيا دار غرور كتب الله تعالى لها الفناء والدثور ولم يؤمر الانسان بعمارتها والركون اليها بل امر بجوازها وتكرها وعدم استعظامها لانها دار هدم وخراب والتأهب لدار النشور فهي العامرة التي لا تخرب والباقية التي لا تنفد.
ويا حسرة على العباد الذين زين لهم الشيطان الدنيا ليجرهم الى حبها والميل الى زينتها وليشتغلوا بمتاعها ومتشهياتها عن ذكر الله، قال تعالى {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} (آل عمران: 14) فسولت لهم انفسهم واتبعوا اوهامهم ورضوا بالحياة الدنيا وركنوا اليها ظانين انهم يخلدون فيها واتخذوها دار مقر وكانوا عن دار الآخرة غافلين، فكان ان قال لهم ربهم {اثاقتلم الى الارض ارضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة الا قليل} (التوبة: 38).
وأما السالك الى الله فانه يشعر بالغربة في الدنيا والبعد عن دار القرار ومحال القدس وموطن القرب من الحق تعالى فيصرف همته في طلبها والرحيل اليها، ولذا ترى الخواص من الناس يرغبون في الخلوة للمناجاة مع الله عز وجل والبون عن الخلق بباطنهم وسريرتهم ويتفكرون دوما في صنع الله ومحاسن تصويره وبدائع خلقه وفسيح ملكوته، ولا يكونون كالذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، بل يتقربون بالمعارف الالهية الى الله تعالى بالشوق والانس والسرور حتى تكره نفوسهم البقاء في هذه النشأة المجازية، وتتمنى الخروج منها الى دار الآخرة وهي دار البقاء ومحل المشاهدة واللقاء وجوار الله تبارك وتعالى في منازل الرحمة ومواقع البركة، فما كان تعبهم في الدنيا بل لنيل سعادة الآخرة ونعيم عقبى الدار كما اشار الى ذلك الامام علي بن الحسين (ع) في قوله: «ما تعب اولياء الله في الدنيا للدنيا بل تعبوا في الدنيا للآخرة» فكانوا خير المصاديق لقول الامام علي (ع) «صحبوا الدنيا بأبدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى».
وقال صادق الآل جعفر بن محمد (ع): «اذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله وكان عند اهل الدنيا كانه قد خولط وانما خالط القوم حب الله فلم يشتغلوه بغيره»، فمن اخرج حب ما سوى الله عن قلبه وقطع كل علاقة جسمانية او شهوة ظلمانية استقر حب الله فيه واشتغل به عمن سواه.
فاعلم ايها الطالب للحق ان من عرف دناءة الدنيا وخستها عرف شرف الآخرة وكرامتها ولا تكون هذه المعرفة الا بالمهاجرة عن دار الفناء والزهد فيها والشوق الى دار البقاء ولاحركة اليها فتجاف عن دار الغرور واخرج حب الدنيا من قلبك ولا ترجو فيها مقرا ولا مقاما وانزلها كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، واسع بقلبك الى منازل الابرار والمقربين وكن من اهل الآخرة ولا تكن من اهل الدنيا تكن من الفائزين المفلحين في جنة النعيم، {ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا} (المزمل: 19).
فلا تغرنك الدنيا وزينتها... وانظر الى فعلها في الاهل والوطن
وانظر الى من حوى الدنيا بأجمعها... هل راح منها بغير الحنط والكفن
خذ القناعة من دنياك وارضَ بها… لو لم يكن لك إلا راحة البدن

والى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة اخرى على الطريق الى الله.

السيد ابو القاسم الديباجي
الامين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com