جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/15/2012
الطريق إلى الله 26 - عثرة حب النفس



أحبائي في الله.. اليوم نتطرق الى عثرة اخرى من عثرات الطريق إلى الله عز وجل.. الا وهي عثرة «حب النفس» فيعتبر حب النفس من العثرات التي تكون في طريق المؤمن للوصول الى الله سبحانه وتعالى والتقرب اليه، فحب النفس هو اشد انواع الحب الفطري واقواها، فالانسان مجبول على حب نفسه وكمالها وبقائها ودوام وجودها في الدنيا، ومن ثم يكره الموت لظنه انه يوجب عدمه، وهي دواع وبواعث الى الدفاع عن نفسه بشتى الطرق والوسائل، وقد تنطوي تحت حب النفس والذات سائر أنواع الحب الاخرى، فحب المال ناشئ من الخوف من الفقر والفاقة وهي امور متعلقة بالنفس، ومحبة الاولاد ناشئة من الشعور بأن بقاءهم هو بقاء له بعد موته، وهذا ايضا متعلق بالنفس، وتدور بين هذه الانواع من الحب انواع اخرى من الحب الدنيوي والنفسي كحب الجاه والرياسة وحب المنصب والشهرة وحب المدح والثناء من الناس، ويسعى الانسان الى حصولها بما يملك من طاقات اشد السعي، واذا حصل عليها يتشبث بها كل التشبث ويدافع عنها مدافعة من لا هم له سواها.
والتعلق بهذه الموارد وما شابهها اما ان تكون مذمومة او محمودة، فاذا كانت الاموال والاهل والاولاد والانفس والجاه والرياسة والمدح والثناء اسبابا للهو واشتغال القلب عن الله تعالى فهي مذمومة، اما اذا كانت قائمة على موازين إلهية ومعايير شرعية فهي محمودة ومقبولة، فالاموال الطيبة اذا كانت سببا لعمل البر والتصدق في سبيل الله فهي محمودة كما ورد: «نعم المال الصالح للعبد الصالح»، وذا كان التكاثر في الاولاد وابقاء النسل سببا في قوة شوكة الاسلام وغلبته وابقاء لذكر الله تعالى ودوامه وايجاد افراد صالحين في المجتمع تعود اعمالهم الصالحة عليهم وعلى آبائهم كما قال سبحانه وتعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} (يس: 12) وقال رسوله (ص): «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث:.. وولد صالح يدعو له..»، فهو محمود، واذا كانت الانفس خاضعة بالعبودية لله تعالى مشغولة بالتزكية والتطهير عن درن الشهوات النفسية وكدر اللذات الدنيوية وكانت معرفتها سبيلا الى معرفة الرب فهي في هذه الاحوال مقبولة ومحمودة، واما الجاه والمنصب والرياسة والمدح والثناء من الناس ان كان حبها يستولي على القلب وينصرف الهم الى سعتها وشيوعها اشباعا لحظوظ النفس او حبا للتسلط او اظهارا للفضل على الغير او تقربا الى الحكام والسلاطين فانها من آثار الميل الى الدنيا ونقصان في الدين بل هي آفات نفسانية مردية والتعلق بها منكر بالكلية ومذموم ويكون من الصعوبة تركها والتخلص منها اما اذا لم يكن الحرص من العبد على طلبه ولم يتح بزواله فهو محمود.
سمع الامام علي (ع) رجلا يقول اللهم اني اعوذ بك من الفتنة، فقال (ع): «اراك تتعوذ من مالك وولدك، يقول الله تعالى {انما اموالكم واولادكم فتنة} ولكن قل اللهم اني اعوذ بك من مضلات الفتن».
وقد صرح القرآن الكريم في غير واحدة من الآيات المباركة ان التفاخر بالانساب والاحساب والاموال والاولاد مذموم فمن هذه الآيات ما كان اعلاما وتنبيها كما في قوله تبارك وتعالى: {اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد} (الحديد: 20)، ومنها ما كان اختبارا وفتنة كما في قوله تعالى {انما اموالكم واولادكم فتنة} (التغابن: 15) اي اختبرناكم بهما ان كانت تحجبكم عنا ام لا، ومنها ما كان توبيخا كما في قوله تعالى: {الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} (التكاثر: 2-1) اي الهتكم زينتا الحياة الدنيا وهما المال والبنون وفتنتم بهما وشغلكم التفاخر بهما عما هو اهم وهو ذكر الله سبحانه والاستعداد للقائه ومنها ما كان تحذيرا وتهديدا كما في قوله تعالى: {لا تلهكم اولادكم ولا اموالكم عن ذكر الله} (المنافقون: 9) كل ذلك لان الانسان يرى ان الكمالات والمنافع والخيرات في المال او الاولاد او النفس او غيرها من الارزاق الدنيوية والنعم الوجودية والتعلقات الشهوانية الاخرى او جميعها فيدافع عنها حفظا لها من الفقد والضياع ولكنه غافل عن المعرفة بان هذه الارزاق باقية ببقاء بدنه في الدنيا والرغبة فيها فانية بفنائه، وان حبها وحب ما شاكلها من المتعلقات النفسية المبعدة عن ذكر الله والآخرة ليست الا حطاما زائلا وامورا وهمية عرضية ومجازية غير حقيقية تشغل الانسان عن ربه وطاعته وتلهيه عن تحصيل آخرته، وبالتالي كان الدفاع عنها ايضا دفاعا وهميا ومجازيا محضا لا حقيقيا، وان الخير الباقي والكمال الحقيقي وكل الخير والكمال ما كان في حب الله الواهب للعطايا والارزاق كلها والدفاع عنه سبحانه وعن كل حق امر سبحانه بالدفاع عنه، لأنه هو الحي الباقي وكل ما سواه فانه لا محالة.
والمحبون لله لا يستمتعون بلذة الا بما ترشح لهم من حب الله وما وجوده في نفوسهم من الانس بالله، ولا غاية لهم الا الاتصال بالمحبوب والفناء فيه، فلا يحبون شيئاً الا ما احب الله ولا يريدون الا ما اراد الله، ويسلمون امرهم الى مولاهم الحق ويلبون دعوته كيفما شاء، ولا يخافون في ذلك لومة لائم {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} (المائدة: 54)، ولا يلقون بالمودة والمحبة الى اعداء الله، ويرون ان الاموال والانفس وكل ما عندهم عارية اعارها الله تعالى لهم وامانة لا يملكونها ومأمورون بردها علي احسن وجه الى صاحبها، وايقنوا ان الدنيا غايتها الفناء وكل من فيها مرتحل عنها، وكما قيل «العبد وما يملكه لسيده» فيقدمون جزيل الاموال رخيصة في سبيله ويتلفون نفائس الارواح في ساحته اخلاصا لكرم وجهه وحبا لنصرته وتلبية لدعوته وثباتاً على اعلاء كلمته وسعياً في مرضاته وابتغاء لجوار قربه.
وخير المصاديق التي مثلت حقيقة الدفاع عن المحبوب وجسدت معاني التضحية والفداء في سبيل المعشوق هو سيد الشهداء وابو الاحرار ابو عبدالله الحسين (ع) الذي انشد بروحه الزكية انشودة العارفين فأحرق بها قلوب المحبين العاشقين:

تركت الخلق طرا في هواك
وأيتمت العيال لكي اراك
فلو قطعتني في الحب اربا
لما مال الفؤاد الى سواك

والى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة اخرى على الطريق الى الله

السيد ابو القاسم الديباجي
الامين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com