جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 10/17/2012
العبادة والأخلاق في منظومة الحج (2)



أحبائي في الله.. اليوم بإذن الله تعالى أود ان أشير إلى نقطة اهم مما قلت وبحثت.. تبين لنا خلاصة روح وجوهر الإسلام الصحيح وثقافته واحكامه الشرعية.. فيقول المولى عز وجل في كتابه العزيز: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ».
فالله جل جلاله وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تحصى سبحانه، فوهبنا نعمة العقل والبصر والسمع والطعام والشراب .. وما إلى ذلك من النعم ولكنه جل شأنه ذكر فقط انه سبحانه مّن علينا بنعمة واحدة من نعمه الكثيرة وهي نعمة مقام بعثة رسول الله (ص).. فقدم مقام التزكية قبل مقامات تعليمنا الكتاب والحكمة، والتزكية بمعنى التنقية من سوء الخلق وشوائب الصفات السيئة، فكانت الفلسفة الأساسية للإسلام بعد التوحيد هي الأخلاق، وهذا ما بينه لنا رسول الرحمة الإلهية (ص) وكأنه يستشعر برغبتنا في السؤال عن ما هو مكنون الإسلام وماهية فلسفة البعث؟ فيجيبنا (ص): «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وهذا تأكيد على أن الأخلاق في شريعتنا الغراء عظيمة المقام عالية القدر فبقدر ما تكون اخلاقنا طيبة بقدر ما تكون استقامة ديننا ، فحُسن الخلق هو صبغة المتقين من عباد الله وبه يُرفع مقامنا، وكلما زاد ايماننا وترسخ فهمنا الصحيح له كان لنا عاصما من سوء الخلق.
لكن بعض الناس قد يرون أن عبادة الله تتجسد فقط في الشعائر التعبدية فقط دون النظر إلى المقصود من تلك الشعائر.. فنيظرون إلى الصلاة على انها اداء حركات الركوع والسجود فقط دون الخشوع لوقوفهم بين رب العالمين وبأن صلاتهم تأمرهم بالبر والاحسان وتقوى الله، وينظرون للصوم كامتناع عن الشرب والاكل فقط من الفجر وحتى المغرب ولا ينظرون اليه كتقويم للسلوك البشري وتنقية للأخلاق والشعور بمعاناة اخوانهم الفقراء فسلوك المسلم التربوي هو الترجمة الحقيقية لإيمانه الفقهي وحسن خلقه هو المرآة الحقيقة لتأدبه مع خالقه، وترتب على هذا الانفصال بين العبادة والأخلاق انهيار الكثير من القيم ورجعية الشعوب التي لا تطبق أخلاق العبادة في تعاملاتها اليومية، فعندما ينتشر الكذب والنفاق وتُخان الامانات تنهار الحضارات وتتشتت الامم وتخور قوتها.
والسبيل لمواجهة آفة الانهيار السلوكي والحضاري وللحفاظ على رُقي الامة الإسلامية  ورفعة شأنها احاول في هذه المقالات ان اوضح من خلالها واحدة من أهم العبادات الإسلامية التي نحتفل بها هذه الأيام المباركة الا وهي ( الحج ) وأهمية ربط المسلم العبادة بالاخلاق، وأن تكون قوة ايمانه في رقي اخلاقه وسلوكه،  فنقول أن الحج كعبادة ومثله كأي عبادة او فريضة أخرى في الإسلام الحنيف نجده كما ذكرتُ سلفا مرتبط ومقترن دائما بالأخلاق الحميدة الطيبة التي بُعث خير البشرية سيدنا محمد (ص) كي يتمم مكارمها، فالدين الإسلامي كما ذكرت ليس فقط عبادات يتقرب بها العبد إلى ربه.. بل هو ايضا سلوك قويم واخلاق كريمة وصفات حميدة يجب أن يتحلى بها المؤمن بينه وبين ربه وكذلك بينه وبين أخيه المسلم بل وغير المسلم أيضا..
والحج بحسب ما نفهم ونستنبط من الآيات الکريمة القرآنية والروايات العديدة التي وصلت الينا من جانب نبينا (ص) واولياء الدين والشريعة الغراء ان الحج خاصة من العبادات الاسلامية التي المقصود الاصلي منها هو التعرف للتعايش الجمعي والترابط الاجتاعي والوحدة الإسلامية والوطنية وبعبارة اخری العيش في ايام معدودات لموسم الحج، التی فيها جمع بين السفر والحضر، الاقامة والسير والافاضة الصلاة، الذبح، الاکل والحلق وغيرها.. بينما ان الاعمال کلها وجميعها هي العبادة ولکن ليس عبادة فردية بل رياضة وتدريب للتعارف والتعايش مع الآخرين. فيقول الله تبارك وتعالی:
«وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ».
وقد أطلقت المنافع ولم تتقيد بالدنيوية أو الأخروية، والمنافع الدنيوية هي التي  تتقوم وتتقدم  بها حياة الإنسان الاجتماعية ويصفو بها العيش وترفع بها الحوائج المتنوعة وتكمل بها النواقص المختلفة من أنواع التجارة والسياسة والتدبير وأقسام الرسوم والآداب والسنن والعادات ومختلف التعاونات والتعاضدات الاجتماعية وغيرها.
وفيما كتبه علی بن موسی الرضا ع إلى محمد بن سنان في جواب مسائله: «وعلة الحج الوفادة إلى الله عز وجل وطلب الزيادة - والخروج من كل ما اقترف - وليكون تائبا مما مضى مستأنفا لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال وتعب الأبدان، وحظرها عن الشهوات واللذات -  والتقرب بالعبادة إلى الله عز وجل - والخضوع والاستكانة والذل شاخصا في الحر والبرد - والأمن والخوف، دائبا في ذلك دائما، وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع، والرغبة والرهبة إلى الله تعالى، ومنه ترك قساوة القلب - وجسأة النفس ونسيان الذكر وانقطاع الرجاء والأمل، وتجديد الحقوق وحظر النفس عن الفساد، ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البر والبحر - ممن يحج ومن لا يحج من تاجر وجالب وبائع ومشتر - وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف - والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها كذلك ليشهدوا منافع لهم.
وقال الامام علي (ع) : «الله الله في بيت ربکم فلا يخلو منکم ما بقيتم فانه إن ترك لم تناظروا».
وإلى اللقاء في المقال القادم غدا بإذن الله

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com