جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 10/18/2012
العبادة والأخلاق في منظومة الحج (3)



أحبائي في الله.. بالتاكيد إنه عندما نبحث في فلسفة الحج بصفة عامة فإن هذا لا يعني قطعا أننا للاستفادة من معطيات هذا البحث وثمراته يجب علينا الذهاب فعلا إلى الحج وتلمُّس ذلك عيانا كنتيجة لازمة لإدراك البعد العظيم له...كلا لا نقول ذلك، فإن لذلك أوجها مختلفة ومتعددة فصلاتك كل يوم هي حجك، عملك وغسلك  وكل شيء إنما هو حجك في أي يوم وفي أية ساعة.
وفي معرفة دور الحج وأهميته يمكن معرفة سر يختص وينفرد به:
هل تأملنا في بعض الروايات المختلفة التي حينما تشير إلى أهمية جملة من العبادات والأعمال بمقارنتها بالحج، كصوم يوم ما مثلا، كأن تذكر أنها تعادل ألف حجة وعمرة، أو مائة حجة وعمرة، وكأن الحج ميزان لتقييم الأعمال والمستحبات، فهل تأملنا في السر لندرك مبلغ هذه العبادة العظيمة التي تقترن بها كثير من العبادات!!
فقضية الحج في الآيات القرآنية المباركة إنما هي من المتشابهات، وبذلك نستطيع كل عام وكل يوم أن نستلهم من الحج فلسفة جديدة وروحانيات لتقويم السلوك والاخلاق كما ورد في تلك الآيات القرآنية، فمنَّ الله سبحانه وتعالى علينا أن هيأ لنا السبل والأسباب، ووفّقنا ودعانا دعوة حقّ إلى زيارة بيته الحرام، يريد بذلك أن  يجدد ايمانا، ويحيي قلوبنا بعدما أفنيناها في مهابط الدنيا الدنية، وينادينا ويقول: «يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ...»، فحق علينا أن نستجيب لدعوة الله تعالى بقلوبنا وأرواحنا ونجرِّدهما من كل تعلِّق، ونقبل على ربنا سبحانه وتعالى بخلوص النية وكمال المعرفة وتمام اليقين، لنصل بانفسنا إلى معالي الدرجات التي أعدها الله تبارك وتعالى لعباده المخلصين.
ولنتأمل حديث الإمام الصادق (ع) حول هذه النقطة، وننظر إليه بعين القلب، ونجعله زادا لنا في هذا السفر الروحاني والهجرة الملكوتية إلى الله تبارك وتعالى: «إذا أردتَ الحجَّ فجرِّد قلبَك لله مِنْ قَبْلِ عزمِكَ من كلِّ شاغل، وحجابِ كلِّ حاجب،  وفوِّض أمورَك كلَّها إلى خالقِك، وتوكَّل عليه في كلِّ ما يظهر من حركاتِك وسكناتِك، وسلِّمْ لقضائه وحُكْمِه وقَدَرِه، وودِّع الدنيا والراحةَ والخلقَ، واخرجْ من حقوق تُلْزِمُك من جهةِ المخلوقين ولا تعتمدْ على زادِك وراحلتِك وأصحابِك وقوَّتِك وشبابِك ومالِك مخافةَ أن يصيرَ ذلك عدوًّا ووبالاً».
لذا فإدراك فلسفة الحج يعتبر في ذاته في أهمية أحكام الحج، فالمؤمن إذا وقف للصلاة وهو لا يدرك ماهية الصلاة وذاتها وباطنها وجوهرها وحكمتها، فهو يكون كالمؤدي للأفعال دون الروح فتصبح صلاة غير كاملة ... فالمهم هو باطن الصلاة، ويجب على الإنسان أن يحب ملكوت الصلاة، وكذا الحج، فعليه أن يصبح صديقا مع باطن الحج مادام حيا، وإذا زار بيت الله وحج حجا عرفانيا يكون هذا الحج حيا طوال حياته.
وهنا نتساءل: كم من الناس يسافرون إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج في كل عام؟! بل وكم منهم سافر طوال القرون الماضية؟!
لعل الجواب أوضح من أن يحتاج إلى تفصيل، فهم أكثر من أن يحصى عددهم، ويقدّر مجموعهم، بيد أن السؤال الأهم هو كم منهم استفاد من فلسفة الحج وروح الحج؟! نعم.. هذا هو بيت القصيد، ولولا معرفة فلسفة الحج لما كان الحج حجا كاملا، فكما تعلمون أن قوافل الحج كثيرة تنحدر كلها إلى مكة المكرمة وإلى بيت الله الحرام لتأدية المناسك، ولكن وكما قال الإمام الصادق (ع): «ما أكثر الضجيج والعجيج وأقل الحجيج»!!
والان بعد ان تطرقت إلى فلسفة الحج بصفة عامة ومختصرة، أتطرق إلى الآن إلى الحج من الناحية السلوكية والأخلاقية، فالحج بجانب أن له فوائد جليلة بجانب الثواب والاجر العظيم الذي يناله من فاز بتقبل الله لحجه وغفر له ما تقدم من ذنبه، إلا أنه كذلك يؤهلنا لما بعد الرجوع من رحلتنا إلى بيت الله عز وجل، فعند سفر الإنسان إلى الحج لأداء المناسك يتذكر سفره إلى الله والدار الآخرة، وكما أنّ في السفر فراق الأحبة والأهل والأولاد والوطن، فإنّ السفر إلى الدار الآخرة كذلك، كما أنّ الذاهب في هذا السفر يتزود من الزاد الذي يبلِّغه إلى الديار المقدسة، فليتذكر أنّ سفره إلى ربّه ينبغي أن يكون معه من الزاد ما يبلِّغه مأمنه، وفي هذا يقول الله تعالى: «وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى»، كذلك فإن السفر قطعة من العذاب فالسفر إلى الدار الآخرة كذلك وأعظم منه كثيرا، فأمام الإنسان النزع والموت والقبر والحشر والحساب والميزان والصراط ثم الجنّة أو النّار، والسعيد من نجَّاه الله تعالى، وإذا لبسنا ثوبي الإحرام فلا نتذكر إلاّ كفننا الذي سنتكفن به، وهذا يدعوننا إلى التخلص من المعاصي والذنوب، فكما تجردنا من ثيابنا فعلينا أن نتجرد من الذنوب، وكما لبسنا ثوبين أبيضين نظيفين فهكذا ينبغي أن تكون قلوبنا وجوارحنا بيضاء لا يشوبها سواد الإثم والمعصية وإذا قلنا في الميقات «لبيك اللّهم لبيك» فهو يعني أنّنا قد استجبنا لربنا تعالى، فما بالنا باقون على ذنوب وآثام لم نستجب لربنا في تركها ونقول بلسان الحال: «لبيك اللّهم لبيك» يعني: استجبنا لنهيك لنا عنها وهذا أوان تركها؟ وتركنا للمحظورات أثناء إحرامنا واشتغالنا بالتلبية والذكر، يبين له حال المسلم الذي ينبغي أن يكون عليه، وفيه تربية له وتعويد للنفس على ذلك، فهو يروض نفسه ويربيها على ترك مباحات في الأصل لكن الله حرمها عليه هنا فكيف أن يتعدى على محرمات حرمها الله عليه في كل زمان ومكان؟

وإلى اللقاء في المقال القادم غدا بإذن الله
 
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 

 


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com