جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 1/11/2013
جريدة الوطن ... ذكرى وفاة رسول الله (ص)






تمرّ علينا هذه الأيام ذكرى وفاة أعظم انسان عرفته الدنيا سيد المرسلين النبي محمّد بن عبدالله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف (ص) الذي أرسل رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ الاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} وقاد حركة تغييرية شاملة لجميع نواحي مجتمعه، الذي تفشّت فيه وثنية قاتلة وجاهلية رعناء، وعادات فاسدة.. تنخر به، حتّى غدت راسخةً في ضمائر أبنائه ونفوسهم وقلوبهم رسوخ الجبال. حيث انه في أوائل السنة الحادية عشرة للهجرة بعد رجوعه من الحج وقعت المصيبة الكبرى والداهية العظمى في وفاة خاتم الانبياء محمد المصطفى (ص) في شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر من الهجرة النبوية عن عمر مبارك دام ثلاثة وستين سنة.
فنجد انه في شهر ربيع الأول وقعت ثلاثة أحداث غاية في الأهمية، وهي على الترتيب مولد النبي صلى الله عليه وسلم وهجرته الى المدينة ووفاته (ص). ومما لاشك فيه ان كلاً منها كان حدثاً مهمًّا في حياة المسلمين بل وفي حياة الانس والجن أجمعين.
وعلى الرغم من ان ميلاده (ص) حدثٌ مبارك، حيث أشرقت الأرض وتباركت بمولده (ص)، لكنه حدث ليس له تميز عن اي من ولادات البشر لولا بعثه وحمله للرسالة والتي جاءت بعد اربعين عاماً من ولادته (ص)، والحدث الثاني بعد ولادته (ص) هو هجرته (ص) التي أوجدت لنا المجتمع الاسلامي والدولة المسلمة التي مازالت مستمرة حتى وقتنا هذا والى يوم البعث، ولأهمية هذا الحدث أرخ به المسلمون بعدها التاريخ الاسلامي، ولكن الحدث الأهم في سيرة النبي (ص) هو وفاته (ص)، لأن وفاته (ص) ليست كوفاة سائر البشر ولا كباقي الأنبياء، لانه بموته (ص) انقطعت النبوات وانقطع وحي الله عن الأرض.
ولقد عاش (ص) في مكة ثلاثاً وخمسين سنة، فنزل عليه الوحي وعمره أربعين سنة ثم هاجر الى المدينة المنورة فأقام فيها عشر سنين، وبعد ثلاث وعشرين سنة من العمل الدؤوب والجهاد المستمرّ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فاضت روحه الطاهرة، وقد روى أنه لما قربت من النبي (ص) الوفاة كان يوصي الناس بوصاياه ويحثهم على وحدة الكلمة وعدم الاختلاف بعده فيما بينهم وحب الوطن.
فيجب على كل مسلم ان يلتزم بتعاليم نبينا الاكرم وننفذ وصيته ونسلك مسلكه في كل شيء فهو الذي ادبه ربه فاحسن تاديبه ومن اهم تعاليمه (ص) هو الشعور الانساني العظيم في حب المجتمع وحب الناس حتى ولو كانوا يختلفون معهم في الدين والمبدأ، فأي انسان كان لابد ان نعامله بالمحبة والرحمة والرأفة وبأخلاق حسنة كما قال الخالق في كتابه: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ ان تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا الَيْهِمْ ان اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
وحب الناس هو نعمة عظيمة تعلم الانسان الكثير من الأحاسيس التي تجعله يعيش الصفاء والتواضع وبكلام عام مكارم الأخلاق، قال رسول الله (ص) «انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق «ومكارم الأخلاق هي حب الانسان لأن كل أخلاقنا هي المعاملة مع كافة جوانب الكون بكل ما يحمل من حياة الانسان والحيوان وحتى الجماد، ونعلم ان أكرم مخلوق هو الانسان، ورأفة رسول الله وأهل البيت بالحيوان عظيمة وهذا طبعا لأنهم يستشعرون روح الحياة التي خلقها الله فيهم، فكيف بتعاملهم مع الانسان.
ولقد كان سيد المرسلين (ص) المثل الأعلى في حسن الخلق، وغيره من كرائم الفضائل والخلال. واستطاع بأخلاقه المثالية ان يملك القلوب والعقول، واستحق بذلك ثناء الله تعالى عليه بقوله عز من قائل: {وانك لعلى خلق عظيم}.
وهنا نريد ان نضرب أمثلة من واقع حياة قائدنا رسول الرحمة محمد (ص) وأخلاقه العملية ونرجو ان نتعلم منه هذه الصفات والأخلاق لأنها تجعلنا نعيش في المجتمع بكل الحالات الايجابية المطلوب منا ان نتحرك بها لكي نحيي الأرض بالرحمة والعفة والطهارة والسماحة وكل ما يتبعهم.
قال الامام علي (ع) وهو يصور أخلاق رسول الله (ص): «كان أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة هابه. ومن خالطه فعرفه أحبه، لم أر مثله قبله ولا بعده».
روي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه (ع) عن الامام علي (ع) قال: ان يهودياً كان له على رسول الله (ص) دنانير فتقاضاها فقال له: يا يهودي ما عندي ما أعطيك فقال: فاني لا أفارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال: اذاً أجلس معك فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان أصحاب رسول الله (ص) يتهددونه ويتواعدونه، فنظر رسول الله (ص) اليهم فقال: ما الذي تصنعون به، فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك؟ فقال (ص): لم يبعثني ربي عزّ وجل بأن أظلم معاهداً ولا غيره، فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد ألا اله الا الله وأشهد ان محمداً عبده ورسوله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت الا لأنظر الى نعتك في التورات فاني قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبدالله مولده بمكة ومهاجر بطيبة، وليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا متزين بالفحش ولا قول الخناء، وأنا أشهد ألا اله الا الله وأنك رسول الله (ص) وهذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله، وكان اليهودي كثير المال، ثم قال (ع): كان فراش رسول الله (ص) عباءة وكانت مرفقته أدم حشوها ليف، فثنيت له ذات ليلة فلما أصبح قال: لقد منعني الفراش الليلة الصلاة، فأمر (ص) ان يجعل بطاق واحد.
وقال رسول (ص) وهو ينظر ويشعر بكل ما فعله المشركين به من أذى: «ما أوذي نبي مثلما أوذيت «، فتأمل أيها القارئ هل الأذى الذي مورس من قبل المشركين تجاه الرسول (ص) وأتباعه قد أثر على حالتهم وحملوا الحقد والبغض للمشركين بحيث عندما انتصر الاسلام استغلوا مواقعهم وانتصارهم وعاملوا المشركين بالانتقام، هل وجدنا ذلك؟ طبعا لا، بل قال الرسول (ص) وهو يسأل المشركين عند دخوله مكة، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال الرسول (ص): اذهبوا فأنتم الطلقاء.
فما هذه العظمة يا رسول الله، وما أعظم هذه الأخلاق التي ربيت عليها أهل بيتك (ع) وأصحابك المخلصين، فهل نتعلم منها؟ فاذا كان هذا تعامله مع المشركين وأهل الكتاب فكيف به مع المسلمين؟ وكيف بنا مع اخواننا المسلمين؟ نعم ان الانسان المؤمن قد توجه له اتهامات وقذف وشتم من قبل حتى المقربين له لكنه يتعامل معهم بالحب والرحمة والرأفة والمودة الانسانية اقتداءً بنبيه (ص) ودائما يفكر براحة الناس وقضاياهم ويترك المصالح الراجعة الى نفسه ويترك كل الشعور الأناني ويربي في نفسه التواضع والخضوع للمؤمنين لأن التواضع في الدين الاسلامي هو قمة الاخلاق.
اذاً لابد لنا من حب الانسانية التي من خلالها نحب الخير في أنفسنا وحب الناس هو وسيلة من أجل تفعيل العطف والرحمة الالهية في ذاتنا وأخلاقنا، ولابد لنا من نهضة رحمانية اجتماعية تواضعية تملأ نفوسنا بالحركة التصاعدية التكاملية من أجل ان نحقق حالة الالتزام الاجتماعي والهداية الاسلامية في المجتمع المسلم ونصنع أنفسنا على درب مكارم الأخلاق كما هو المستفاد من رسالة ودين محمد (ص) والذي جعل اتمام مكارم الأخلاق هدفًا لبعثته وغاية لرسالته.
وشجاعة النبي (ص) لا مثيل لها، فقد وصفه الامام علي بن أبي طالب (ع) قائلا: كنا اذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله (ص) فلم يكن أحد منا أقرب من العدو منه.
وأخيراً، انتقل الرسول الاكرم (ص) الى الرفيق الأعلى في يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر صفر عن سن يناهز ثلاثاً وستين سنة. وطبقاً لوصيّته فقد غسله علي (ع) وكفنه وصلى عليه ودفنه في بيته في الحجرة المطهرة بجانب مسجد النبي (ع).
وقد اغتم المسلمون بفراقه كثيراً وتألموا وأقاموا المآتم حتى قال علي (ع): لو ان الحزن واللوعة الذي أصابني عند فراق رسول الله(ص) أصاب الجبال لما تحملته.
وختاماً نسأل العلي القدير ان يجعل هذه الذكرى وسيلةً لنبذ كلّ ما من شأنه تمزيق الصفّ وتفريق الكلمة، وأن تكون جامعاً لكلمتنا ووحدتنا خاصة ونحن نعيش يومياً جرائم يرتكبها أعداء الله ورسوله وأعداء الانسانيّة في العالم الاسلامى وان نتمسك بوحدتنا الوطنية ونحافظ عليها فبها نحافظ على اماننا وامننا.
الهنا اجعلنا ممن استقام على نهج نبيك (ص) وأهل بيته (ع)، وأمّة صالحة له، ونوّر قلوبنا بتعاليمه، واجعل سعادة الدنيا والآخرة من نصيبنا، انك مجيب الدعاء.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com