جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 1/30/2013
جريدة الوطن .. الديباجي في ذكرى المولد النبوي الشريف : {وانَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

في يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول بعد الفجر، وقبل ثلاث وخمسين سنة من الهجرة، وفي عام الفيل، ومن أب كريم شريف «عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم»، وأم طاهرة تقية «آمنة بنت وهب»، ولد أعظم شخصية في الوجود وأشرقت الدنيا بنورها ألا وهي شخصية محمد نبي الاسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اصطفاه الله تعالى من خلقه، وأرسله للعالمين رحمة، ومنّ الله على البشر بأن شرّف الأرض بمقدم هذا المولود السعيد في أطهر بقاع الأرض مكة المكرمة والتي صارت بعد ذلك قبلة للمسلمين.
وما أحوجنا ونحن في ذكرى مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان نقرأ سيرته، ونتدبر حياته، ونقتدي بسلوكه، ونستجيب لأوامره، حتى نكون أقرب ما نكون الى تلك الصفات الكاملة، والى تلك الشخصية التامة التي جعلها الله عزّ وجلّ من البشر بين الناس، «لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل».
انّ استعراض حياة الرسول (ص) العملية، ودراسة مناهجه التربوية، التي غيّر بها سلوك أصحابه... فنقلهم من ظلمات الجهل الى أنوار المعرفة، ومن خشن الطباع الى الأدب الرفيع.. ومن الأنانية الطاغية الى الانسانية الرحيمة، ومن جبروت القبلية والعصبية العمياء الى الأخوة الغامرة في الله.. ومن ضياع الحاضر الى بناء الحاضر والمستقبل.. هذا الاستعراض يؤكد لنا ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المربي الرباني الاخلاقي العظيم لأجيال المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل.. وسيرته (ص) تعتبر ثروة تاريخية مهمة من الناحية العلمية والأخلاقية بالنسبة للمسلمين.
فوجود النبي (صلى الله عليه وآله) مصدر اشعاع ينبغي ان نستضيء به، ونستفيد منه، اذ لا يصح الاكتفاء بجمع أقواله وأحاديثه، فتكون حالنا حال رواة لا يدركون شيئاً، ولا يكفي ان نذكر تاريخ حياة الرسول صلى الله عليه وآله ونقول: انه فعل كذا في المكان الفلاني، وكذا في المكان الفلاني.. بل المهم تفسير ذلك العمل، وتوجيهه، والتعمق في أقواله وأفعاله.
انّ عملاً بسيطاً من أعماله (ص) انما هو مصباح، أو شعلة من نور كاشفٍ ينير الطريق أمام المرء لمسافات بعيدة. فيجب علينا ان نقتدي بسيرته التي تهدف الى تحرر الناس من ذواتهم، من الأنانية، من حب الذات وحب مصالحها، نحو حب الله وحب الحق وحب الخلق.
والقرآن الكريم يؤكد على ان {لكم في رسول الله أسوة حسنة}، الأسوة الصالحة والمثل الأمثل لحياة انسان كامل في كل ما ينطوي عليه هذا المصطلح الصغير من معنى ضخم، هو الانسان الكامل، وحياته أسوة حسنة للبشرية في كل الأزمنة والأمكنة، كما ان للسيرة النبوية دور كبير أيضاً من الناحية الروحية والمعنوية، وهي أيضاً مصدر من مصادر الفكر الاسلامي، والمعتقدات التي لابد ان يعتقد بها الانسان المسلم، سواء فيما يرجع الى فهم الانسان المسلم عن الحياة، والانسان، والتاريخ، والمبدأ، والمصير، والغيب… أو ما يرتبط بالجانب الاجتماعي.. ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المعلم الذي يزرع الحب في قلوب الناس قبل ان يبدأ بدعوته ودروسه، فهو خريج المدرسة الالهية وأول معلم في الاسلام.. وبالتالي الأسوة الحسنة للمسلمين.
وسنحاول هنا.. أن نتبين احدى ملامح شخصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) التربوية الأخلاقية المباركة ألا وهي الرفق واللين مع الناس.
فرسول الله (ص) كان رفيقا بالناس، ولم يستخدم (ص) العنف والفظاظة وهو يواجه المواقف الصعبة، وأخذ الناس بالرفق واللين لأن الرفق واللين هما الطريق الأقرب الى القلوب. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَاذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ان اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.
وهذه آية شاملة لأهم الخصائص النفسية التي يجب ان تكون في الانسان وفي تعامله مع الآخرين مثل: الرحمة اللينة الواعية بدل الشدة أو الغلظة التي تحطم العلاقات السوية الايجابية.
وحتى اذا سبق من الانسان الآخر خطيئة.. فعلى العلاقات المتبادلة ان تظل قوية.. وقوتها انّما تفد من العفو والسماح.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه».
وفي حديث آخر قال (ص): «ان الله عزَّ وجل رفيق يحب الرفق في الاَمر كلّه».
فالله جلَّ جلاله رفيق، والرفق خلقه، اذ هو اللطيف بعباده والرحمن بخلقه والرحيم بالمؤمنين، يرأف ويتحنن ويعفو ويسامح ويغفر ويتوب، برٌّ كريم، ودود حليم، وهو جلّ ثناؤه يحب لنا ان نتخلق بأخلاقه حتى نغدو ربانيين بأخلاقنا، فربنا الصادق يحب لنا ان نكون صادقين، وربنا المحسن يحب لنا ان نكون محسنين، وربنا الرفيق يحب لنا ان نكون رفقاء. ولاشك أنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نِعمَ وزير الايمان العلم، ونِعمَ وزير العلم الحلم، ونِعمَ وزير الحلم الرفق، ونِعمَ وزير الرفق اللين».
في هذا الحديث استوزر الرسول الاَكرم (ص) العلم للايمان، الحلم للعلم، الرفق للحلم واللين للرفق، وبهذه المنظومة المباركة بيّن لنا التماسك الحيوي بين الايمان والعلم والاخلاق، فمن أراد الاِيمان فعليه بالعلم، ومن أراد العلم الذي يفضي الى الاِيمان فعليه ان يتزين بالحلم الذي يجعل من العلم علماً هادفاً نحو التكامل لا العلم الذي يرافقه الغرور والعجب والتكبر، ومن أراد ايماناً يستند الى العلم النافع والمستوزر بالحلم فما عليه الاّ التخلق بالرفق الكاشف عن واقعية الحلم وحقيقته، الرفق الذي يتضمن: السماحة واللطف والانفتاح والتواضع وتكليم الناس على قدر عقولهم والتجاوز عن سيئاتهم والترفع من متابعة هفواتهم، رفقاً يتجلى فيه اللين وتمحى من ساحته الغلظة، فلا خشونة عند التعامل ولا جفوة بعد التخاصم، ولا طغيان عند البغي، هكذا يريدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أبعادنا العلمية والايمانية والاخلاقية والاجتماعية، وهكذا كان هو - روحي له الفدى - مجسداً لاَخلاق القرآن، وسنته العملية هي التعبير الادق لكلِّ ذلك الخُلق النبوي العظيم، ولأجل هذه الحقيقة الناصعة والمحجة البيضاء عرّفه ربه سبحانه وتعالى بقوله: «وانَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».
وقد وضّح لنا ربنا – عزّ وجلّ – كيف نترفق بالناس على الرغم من ايذائهم حيث قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وأن ذلك من عزم الأمور، وقال تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَاذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا الا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا الا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
اذ لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة، فلا يستوي الصبر والغضب، والحلم والجهل، والمداراة والغلظة، والعفو والاساءة.
وقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ما يلزم على الداعي من الرفق بالمدعو، فقال: «ادفع التي هي أحسن» أي ادفع بحقك باطلهم، وبحلمك جهلهم، وبعفوك اساءتهم، {فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}، فانك اذا دفعت خصومك بلين ورفق ومداراة، صار عدوك الذي يعاديك، بصورة وليك القريب وحميمك.
وقد كان رسول الله (ص) كراراً ومراراً يدعو أصحابه الى الدفع بالتي هي أحسن، والاحسان الى المسيئين، فقد وفد العلاء بن الحضرمي عليه (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، ان لي أهل بيت أحسن اليهم فيسيؤون، وأصلهم فيقطعون، فقال رسول الله (ص): «ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم».
لذا يجب علينا ونحن في هذا اليوم المبارك ان نستفيد من أفعال وأقوال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونطيع أمر الله عزّ وجلّ ورسوله الكريم بأن نترفق بالآخرين ونحبهم ونحترمهم وأن نبتعد عن العنف واثارة الفوضى وأن لا نزرع الفتنة ونزعزع الأمن والاستقرار في البلد لمجرد اختلافنا في الآراء والجلوس حول طاولة الحوار والمحبة والرفق.
وختاما نقول: ان اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي








 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com