جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 6/14/2013
جريدة الوطن : العباس بن علي (ع) .. بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي

writer image




لو تصفحنا التاريخ وبحثنا في طيات سير العظماء لجذبتنا صفحات تفوح منها رائحة الخلوص وتهب منها نسائم طيب النفوس، ولمالت بأبصارنا الى سطور متلألئة بأنوار الهية واشراقات ملكوتية تشع من ذواتٍ سعت في دنياها تستجمع كل روائع الكمالات وجلّ حسنات الصفات، وأمسكت بعنان العبودية للواحد الأحد، ونكّست رؤوسها خضوعاً وخشوعاً للفرد الصمد، فرفعها ربها الى قربه وأدخلها في عباده وأقعدها في مقعد صدق مع أنبيائه وأصفيائه.
تلك النفوس التي استنارت بنور الله فأنارت أرواح المحبين وأحرقت قلوب العاشقين واحتارت في معرفتها عقول العارفين فوقفوا صفا صفا تعظيما وتقديسا لنور الله.
تشرق من بين هذه الصفحات صفحة تنسب الى شخصية قلّ نظيرها في تاريخ الانسانية قاطبة، قد نهلت من ينابيع الاخلاص والايمان ما استوعبتها نفسها الأبية واحتوتها روحها الزكية، وتزينت بتاج الشجاعة والشهامة والوفاء والاخلاص ما كلّت الألسن عن وصفها وتحيرت العقول في ادراكها.
تلك هي شخصية قمر الهاشميين سيدنا العباس ابن الامام علي بن أبي طالب (ع).
لقد كان حقا نعم الخلف الصالح الذي فاضت من ذاته جميع المعاني السامية والمراتب العالية فكان نموذجا حقيقيا من شخصية أبيه الامام علي (ع) حتى قيل فيه: «وكان للحسين (ع) كما كان أبوه علي (ع) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم».
قال أصحاب السيرة في شأنه: هو كالجبل العظيم وقلبه كالطود الجسيم لأنه كان فارسا هماما وبطلا ضرغاما وكان جسورا على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحروب.
ولم تكن عظمة شخصية العباس (ع) تنحصر في ميادين الحروب وساحات القتال فحسب، بل كانت تتجلى في مختلف المعاني الانسانية والمكارم الأخلاقية والكمالات الروحية كعبادة الله تعالى حق العبادة والصدق والوفاء والمروءة والاخلاص والايثار والعلم والمعرفة واعانة الضعفاء والمساكين وغيرها من محاسن الشيم والأخلاق، الى ان احتوشت تلك الصفات جميع الأبعاد الوجودية في حياة العباس بن علي (ع).
في السنة السادسة والعشرين من الهجرة وفي شهر شعبان كان العالم الاسلامي ينتظر الطلعة الزاهرة في سماء المدينة المنورة، وفي اليوم الرابع من ذلك الشهر وبين طلوع الفجر وطلوع الشمس بزع نور القمر الهاشمي من بيت الامام علي (ع)، فعطر بعبير مولده بيت النبوة والامامة، وأشرق بنور جماله أفق العز والكرامة.
لقد ولد للامام علي (ع) مولود جميل الطلعة حسن الهيئة ميمون الغرة، فكان زهرة عطرة تفتحت في الروضة الهاشمية، ونبعة عذبة تفجرت من ينبوع الحكمة الالهية.
وسماه الامام علي (ع) بالعباس نسبة الى عمه العباس.
و«العباس» في المصطلح اللغوي صيغة مبالغة ويعني الشديد الصلب وحاد المزاج، وانما سماه الامام علي (ع) لعلمه بشجاعته وسطوته وصولته وعبوسته في قتال الأعداء وفي مقابلة الخصماء، قيل عباس كشداد الأسد الضاري، كانت الأعداء ترجف أبدانهم وترتعد مفاصلهم وتعبس وجوههم خوفا اذا برز اليهم العباس (ع).
ومن ألقابه: قمر العشيرة، حامل اللواء، بطل المسنّاة، السقاء... ومن أشهرها: قمر بني هاشم.
حيث كان من عادة العرب تسمية من يتصف بالجمال والحسن وطول القامة بـ «القمر»، وكان لبني هاشم النصيب الأوفر من هذه النعمة وهذا المديح، فقد كانت العرب تسمي عبدمناف – الجد الثالث لرسول الله (ص)- بـ «قمر البطحاء»، وتسمي عبدالله – والد رسول الله(ص)- والذي كان يتميز ببهاء الطلعة وله نور يسطع بين عينيه – بـ «قمر الحرم»، وكان أبو الفضل العباس (ع) من الذين أنعم عليهم الجميل المتعال بهذه المنحة والمزيّة فكساه برداء الحسن والجمال وألبسه حلة البهاء والكمال، تحيط جبهته الغراء هالة من نور حتى لقب بـ «قمر بني هاشم».
نشأ العباس (ع) في حجر المكارم والعلا وترعرع في أحضان الفضيلة والتقى وتربى في مدرسة الامام علي الى جانب سبطي الرحمة وامامي الهدى وشبلي الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع)، فنال من السبل التربوية أقومها ومن المناهج التعليمية أرفعها، ولاسيما في ميدان الشجاعة والفروسية، فتخرج من تلك الجامعة القدسية وقد حاز وسام الشرف والفخر والمجد والعظمة.
وفي علم العباس (ع) قال الامام الصادق (ع): «كان عمنا العباس نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع أخيه الحسين وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا».
يروى ان العباس (ع) طوال الأربع والثلاثين سنة من عمره الشريف وزمان صحبته لأخيه الحسين (ع) لم يخاطبه الا بقوله: سيدي، مولاي، أو يا ابن رسول الله، الا في اللحظات الأخيرة من حياته حينما ضرب بالعمود على رأسه المبارك وسقط على الأرض مقطوع اليدين يخور في دمه هنالك نادى أخاه قائلا: أدركني يا أخي.
وفي ذلك مرتبة جليلة في الأدب السلوكي وتعظيم لمقام الامامة.
وذكر البعض أيضا ان العباس (ع) أعطي ذات يوم عنقودا من العنب، فخرج به الى خارج البيت مسرعا، ولما سئل عن ذلك قال: أريد ان أقدم هذا العنقود الى مولاي الحسين (ع).
واستنار قلب العباس (ع) بمآثر الأطهار الجلية واستضاءت نفسه بفيوضات أنوارهم البهية واستشمت روحه عبقات أنفاسهم الزكية، يقفو آثارهم ويسلك سبيلهم ويتبع هداهم، حتى تجلت فيه فضيلة الايثار في كربلاء في مواقف عديدة ومقامات شتى ولاسيما حينما آثر أخاه الحسين(ع) بالماء وقلبه يتلظى من شدة العطش فلم يشربه حتى قضى.
وفي تقديم أشقائه الثلاثة وولديه أمامه وهم الأعزة من أهله بعد أخيه الحسين (ع) للدفاع عن سبط الرسالة وسليل النبوة والفناء دونه في ساحته المقدسة لدليل واضح على ايثاره أخاه الامام بالعزيز والنفيس صابرا محتسبا في ذات الله لما في ذلك من عظيم الاجر وحسن المثوبة والكرامة والزلفى لدى العزيز الحكيم.
قال الامام زين العابدين (ع): «رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وان للعباس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة».
فسلام الله عليك أيها المجاهد في سبيل الله والعبد الصالح المطيع لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولأهل بيته (ع).

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com