جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 7/18/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله..التفكر (1)

يعتبر التفكر من أهم الطرق التي تؤدي الى الله عز وجل وقربه، فقد دعا الحكيم جل وعلا الانسان الى التفكر في آياته والتدبر في عجائب صنعه وبدائع خلقه الدالة على جلاله وكبريائه وعظمته وقدرته وكمال علمه وأحديته، وأثنى على الناظرين المتفكرين في آياته وآلائه والباحثين في خفيات الأسرار وحقائق الأمور فقال جلَّ ثناؤه في محكم كتابه: {ويَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ} (آل عمران:191)، وقال تعالى: ﴿{أو لمَ يَتَفَكَّروا في أنفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرْضَ ومَا بَيْنَهُما الاَّ بِالحق} (الروم:8)، وذم المعرضين عن النظر والتأمل فقال: {وكَأيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} (يوسف: 105)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: »فِكْرُ (تَفَكُّرُ) ساعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ سَنَةٍ» ، وقال الامام علي: «نَبِّهْ بالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ» الا ان تفكر كل أحد يكون بحسب فهمه ومرتبته الوجودية ودرجاته في العلوم والمعارف الالهية.
والتفكر في كنه ذات الله عزَّ وجلَّ والعلم بحقيقة صفاته ممنوع ومحظور، فمن ليس كمثله شيء كيف يمكن الوصول الى معرفة ذاته وقد ورد المنع من الشرع في قوله تعالى: {وأنَّ الى رَبِّكَ الْمنْتَهَى} (النجم: آية42)، وقوله تعالى: {ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه} (آل عمران:28و30)، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «تَفَكَّروا في خَلْقِ اللهِ ولا تَفَكَّروا في اللهِ فَتَهْلَكوا».
فلا سبيل لمخلوق في التفكر في الذات القدسية المنزهة الممنوعة ولا يمكن العلم بجناب الحضرة الالهية الا بما وصف نفسه بنفسه في القرآن الكريم من صفات الكمال والمعاني وهو القائل سبحانه: {ومَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} (الأنعام:91) الا ان كل الآيات البينات مجاري للتفكر في جمال الله وكبريائه وقنوات للتدبر في قدرة الله وعظمته ولكن اذا انتهى الكلام الى الله فلابد من التوقف والامساك، ثم يقول الحكيم جلت عظمته في كتابه الكريم: {سَنُريهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لهمْ أنَّهُ الحَقُّ} (فصلت:53).
قد يتفكر الانسان عمرا طويلا ولكنه لا يعرف معنى التفكر، فما هو التفكر؟!
لابد ان نبين أولا ان السير على قسمين: سير ظاهري وسير باطني، فالسير الظاهري هو الحركة الظاهرية للبدن وأما السير الباطني فهو ما يتعلق بالمجردات كالعقل والقلب والنفس وحركاتها.
قال الغزالي ان حقيقة التفكر طلب علم غير بديهي من مقدمات موصلة اليه كما اذا تفكر ان الآخرة باقية والدنيا فانية فانه يحصل له العلم بأن الآخرة خير من الدنيا وهو يبعثه على العمل للآخرة فالتفكر سبب لهذا العلم وهذا العمل حالة نفسانية وهو التوجه الى الآخرة.
وعلى هذا فالتفكر بحث وطلب عن علم ويقين من مبادئ معلومة للوصول الى المراد المجهول، والوصول الى الله مجهول وحقيقة «حَتَّى يَتَبَين لَهم أنَّهُ الحَقُّ» مجهول، لذا فالآفاق والأنفس ليست الا معلومات دالة على وجود الله وعظمته ووحدانيته والتفكر هو السير في هذه المعلومات للوصول الى معرفة الله سبحانه وتعالى.
ويعيش الانسان عادة في غفلة عن الحق سبحانه وتعالى ولذا يمكن التعبير عن التفكر والسير من المعلوم الى المجهول بأنه أجنحة طيران النفس الى منزلها القدسي أو بعبارة أخرى التفكر مَركَب الروح ومطيته للسفر الى الموطن الأصلي والسفر الى»حَتَّى يَتَبَين لَهم أنَّهُ الحَقُّ» ومن ثَمَّ يصل الانسان الى الوجود الالهي المطلق جل جلاله وعظم شأنه.
وأما بيان التفكر في الآفاق والأنفس: ففي السير الآفاقي لا يقتصر تفكر الانسان - سواء العارف أو غيره - في كبار الأشياء في عالم الوجود فحسب بل في صغارها أيضا، ولكن تفكر العارف يختلف عن تفكر الآخرين، فالعارف حينما يتفكر في الذرة يريد بذلك ان يصل الى الحكمة التي كانت من وراء خلق هذه الذرة وكيفية ابداعها وبعد الوقوف عليها يصل الى شهود سريان نور مبدع البدائع المحدث للأشياء على غير مثال، لذا لابد ان يصل العارف الى مَظهر الابداع أولا ومن ثم يصل الى المبدع، بديع السماوات والأرض جل وعلا.
وأما الحديث في السير الأنفسي، فقد ورد عن الامام الباقر (ع) في وصاياه لجابر بن يزيد الجعفي - أنه قال: «يا جابِر لا معرِفَةٌ كَمَعْرِفَتِكَ بِنَفْسِك».
كلمة امامية جامعة تفتح لنا أبوابا لا حصر لها من المعرفة، فلا تفكُّر ولا معرفة ولا تحقيق ولا بحث كالتفكر في معرفة النفس، وكما قيل ان المعرفة بالآيات الأنفسية أنفع من المعرفة بالآيات الآفاقية وان كانت كلاهما نافعتين.
لذا ان اشتغل الانسان بالنظر الى آيات نفسه وشاهد فقرها الى ربها وحاجتها في جميع أطوار وجودها وجد نفسه متعلقة بالعظمة والكبرياء متصلة في وجودها وحياتها وعلمها وقدرتها وسمعها وبصرها وارادتها وحبها وسائر صفاتها وأفعالها بما لا يتناهى بهاء وسناء وجمالا وجلالا وكمالا من الوجود والحياة والعلم والقدرة وغيرها من كل كمال وعند ذلك تنصرف عن كل شيء وتتوجه الى ربها وتنسى كل شيء وتذكر ربها.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com