جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 7/20/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله .. المراقبة ( 1 )



من احدى الطرق الى الله عز وجل المراقبة، وقد أكَّد القرآن الكريم والأحاديث على الالتزام بها والمحافظة عليها وعدم تركها والاستخفاف بها.
اذ ان على المرء النظر في أعماله من حيث صلاحها وخلوصها لله تعالى، وحفظها حق محافظتها عن كل ما يفسدها من شرك ورياء، والحذر من النفس والشيطان، والعلم بأنهما عدوَّان له، وأنهما يتحيَّنان الفُرَص حتى يجرَّانه الى مواطن الغفلة ومواقع المخالفة، ويدعوانه الى المزيد من التعلق في حاضر الدنيا والاسترسال في لذات العيش بلا حدود والغفلة عن الغد الموعود، والعلم بأن الله تعالى رقيب عليه شاهد له في الليل والنهار والسر والعلانية، وأن أسرار القلوب لديه مكشوفة وخفايا الصدور معلومة، وعليه اخطار هذه الأمور على باله لكيلا يتجاوز حدود ما شرعه الله تعالى فيُقْدِم على ارتكاب سيئة أو يقع في مخالفة، ولكي لا يشغله شاغل أو يعيقه عائق في طريق سلوكه الى الله تعالى والتقرب اليه.
ومصائد الشيطان لا تكون الا حيث يكون الاهمال في طاعة الله والغفلة عن ذكره والاستهانة بأمره، ومع المراقبة ودوامها واللجوء الى الله تعالى بكمال العبودية له يستطيع المرء ان يعرف سبل الشيطان وحبائل وسوسته فيجتنبها ومشتهيات النفس ونوازعها فيقمعها، فالنفس اذا أُرسِلَت اسْترسلت واذا قُيِّدَت تقيَّدَت، والشيطان اذا انكشفت حيله ومكامنه كان كيده واهِناً ضعيفاً، فاحرس قلبك أيها المؤمن من أهواء النفس ووساوس الشيطان، ولا تجعل لهما على قلبك سلطانا وسبيلا، وقِف منهما موقفا حذرا حازما، واحفظ وقتك واحذر ان تضيِّع شيئا منها دون ذكر الله تعالى ومراقبته بلسانك وقلبك.
يقول الله تبارك وتعالى: {أفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بماِ كَسَبَتْ} (الرعد: 33)، فلله عزَّ وجلَّ الأمر جميعا، وهو المهيمن والمحيط والسلطان على كل نفس، والحافظ لكل ما عملَت من خير وشر وآثارها، ومن دقيقٍ وجليلٍ وتبعاتها، في صحائف حسناتها وسيئاتها، جازيا لها بأحسن الثواب والنعمة أو أشد العذاب والنقمة، فهل بعد ذلك يأمن العبد ان يترك نفسه هائمة ضالة بلا محاسبة ولا مراقبة؟
ويقول العزيز الحكيم في كتابه: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إن اللهَ خَبِيرٌ بماِ تَعْمَلُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأنسَاهُمْ أنفُسَهُمْ أولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (الحشر: 19-18).
والآيتان الكريمتان تندبان عباد الله المؤمنين بلزوم المراقبة والمحاسبة وذكر الله تعالى في الحياة الدنيا والحرص على ادامتها واستمرارها وعدم مفارقتها والغفلة عنها استعدادا للقاء الله تعالى، فبحسبها تكون للعاقبة مرتبتان لا تستويان، اما الفوز في الدنيا والآخرة والدخول في أصحاب الجنة، أو الخسران في الدنيا والآخرة والدخول في أصحاب النار.
والقلب - كما يقول أرباب البصائر من مشايخ العرفان - ميزان العارفين في الدنيا وهو أرجح الموازين، وجنتهم اقبال قلوبهم على الحق ونارهم ادبار قلوبهم عن الحق، والمراقبة فعل من أفعال القلب، وتعني مراعاة القلب للرقيب والاشتغال به ودوام ملاحظة الحق تعالى بالقلب والحضور العبودي مع الحق في أمره ونهيه، وبحضور القلب تنقاد سائر الجوارح والأعضاء الى الحضور. وقيل أيضا ان المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه واستدامة العبد لهذا العلم هي مراقبة الحق.
وللمراقبة ثلاث مراتب رئيسية وهي كالتالي:
المرتبة الأولى: مراقبة العبد للحق وهي مراقبة العباد للحق تبارك وتعالى مراقبة دائمة صادقة غير مقطوعة بالغفلة ولا مبتورة بالنسيان، وذلك بملاحظة ما يصدر منهم من أقوال وأفعال، والحذر من الله تعالى في كل الحركات والسكنات، وما يطالبهم به بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، ولزوم طاعته وموافقته وأداء كل ما أوجبه عليهم، واجتناب معصيته ومخالفته وما حرَّمه عليهم، ووضع كل شيء موضعه الذي وضعه الله فيه، ومن ثم السعي لجلب رضا المحبوب سبحانه بفعل المستحبات وترك المكروهات، والتمكُّن من ذلك الى ان تصبح مَلَكة راسخة في ذواتهم لا يعقبها ضعف ولا فتور، والعلم بأن الله تعالى مطَّلع على السرائر كاطلاعه على الظواهر، عالم بالخفيات كعلمه بالمعلَنات، وقد حذَّر الله تعالى عباده عن التهاون في هذا الأمر والغفلة عنه وقال: {وَاعْلَمُوا ان اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} (البقرة: 235)، وقال تعالى: {وَان تُبْدُوا مَا في أنفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ} (البقرة: 284). وفي خطبة للامام علي (ع) قال فيها: «رَحِمَ اللهُ امْرِأً راقَبَ رَبَّهُ وتَنَكَّبَ ذَنبَهُ وكابَرَ هَواهُ وكَذَّبَ مُناهُ.... رافِعاً الى المَعادِ طَرْفهُ مُتَوَقعاً في كُلِّ أوانٍ حَتْفُهُ».

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com