جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 7/20/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله .. التفكر ( 2 )


أحبائي في الله.. اكمل اليوم الحديث عن السلوك في الطريق للمولى عز وجل على طريق التفكر، وكنا قد ختمنا حديثنا في المقال السابق عن النفس والتفكر فيها..
فالنفس كتاب تكويني، ولكن كيف نتفكر في كتاب النفس؟!
يقول الله تبارك وتعالى في مدح الناظر في أمر نفسه ومزكيها عن الأغشية والحجب المادية: {قدَ أفْلَحَ مَن زَكَّاها} (الشمس:9)، ويذم المعرض عن ذلك بوصفه اياه بالخيبة والخسران قائلا: {وقَدْ خابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس:10)، فالانسان أمامه طريقان في المعاملة مع النفس، اما ان يدخل فيها الحالات الطيبة والنية الصادقة ويحَلِّيها بالذكر والفكر والتقوى فيزكيها وينميها أو ان يدس فيها الرذائل والمساوئ خفاءً فيفسدها.
وقد ورد عن الامام (ع) أنه قال: «التفكُّرُ يَدْعو الى البِرِّ والعَمَلِ به»، فالتفكر هنا الى جانب أنه يشمل التفكر في عظمة الله وجماله وجلاله ووحدانيته فيدعو الى خشيته وطاعته والتفكر في أسرار العبادات فيدعوه الى تكميلها كذلك التفكر في حسنات أعماله يدعوه الى اكثارها والتفكر في سيئات أعماله يدعوه الى اجتنابها والتوبة والندم عليها فبذلك يزكي نفسه ويخليها من جميع المساوئ والرذائل ويحليها بالمحاسن والفضائل.
ان الانسان بنعمة التفكر في النفس يتوصل الى: {سَنُريهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبين لَهُمْ أنَّهُ الَحقّ}!!.
أيها الانسان هل لمست بقلبك نفحة من النفحات الالهية أم لا؟! هل رأيت رؤيا صادقة أوصلتك بنورها الى نور المبدع أم لا؟! هل وصلت الى حقيقة: {حَتَّى يَتَبين لَهُمْ أنَّهُ الَحقُّ} أم لا؟! كم من الناس تعرفهم في عالم الوجود وصلوا الى حقيقة {أنَّهُ الحَقُّ} وسواه باطل؟!
هل وصلت في حياتك الى معرفة مفهوم التفكر وموضوع التفكر ومبدأ التفكر والمقصد بعد التفكر؟! بل أهم من ذلك كله هل وصلت الى حقيقة: {حَتَّى يَتَبين لَهُمْ أنَّهُ الَحقُّ}؟!
بعد معرفة حقيقة {أنَّهُ الحَقُّ} هل يركن الانسان الى الظالمين؟! أم هل يبقى في قلبه شيء من التملق أو الخيانة أو الحسد أو الغيبة؟! اذا بقي شيء من ذلك في قلبه فهذا دليل على أنه ما توصل بعد الى حقيقة {أنَّهُ الحَقُّ}!!
وللوصول الى هذا المقام لابد من معرفة آفة التفكر الذي هو أهم من كل مبادئ التفكر فيجتنبه، وآفة التفكر الوسواس، فالأفكار التي ترد على قلب الانسان اما ان تكون محمودة أو مذمومة، فان كانت محمودة فهي الهام وان كانت مذمومة فهي وسواس، ولا يمكن ان يشغل القلب شيئان في ان واحد، فاذا كان القلب مشغولا بفكر مشروع ومعقول ومحمود فلا سبيل للمذموم اليه.
وعلاج الوسواس التفكر والدوام عليه، فعن أبي عبدالله الصادق(ع) أنه قال: «أفْضَلُ العِبادَةِ ادْمانُ التفَكُّرِ في اللهِ وفي قُدْرَتِهِ»، ويرى علماء الأخلاق والعرفان ان علاج الوسواس ودفعه والتخلص منه هو التفكر ولكن بمفهومه الصحيح لا بالمفهوم الخاطىء، فالوسواس يورث الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، ولذا كان الامام علي (ع) يقول: «نَبِّهْ بِالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ»، فاذا عرف الانسان ان القلب لا يشتغل بشيئين في ان واحد فتلك مقدمة لدفع الوساوس والدخول في صراط التفكر دون عائق.
وأما الشيء الملازم للفكر والذي يجب المداومة عليه للوصول الى نور الأنوار ومبدع النور ومبدع الآفاق والأنفس وكل بدائع عالم الوجود هو الذِّكْر، فسلاح الحق هو الفكر والذكر معاً، يقول الله تبارك وتعالى: {انَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لأولِي الألْبَابِ الَّذينَ يَذْكُرونَ اللهَ قِياماً وقُعوداً وعَلَى جُنوبِهِمْ ويَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ} (آل عمران:190 - 191)، وذكر الشيخ عبدالله الأنصاري في «منازل السائرين» ان الذكر فوق الفكر لأن الفكر طلب والذكر وجود.
ومسك ختام البحث حديث مروي عن الامام على بن موسى الرضا(ع) في مقام التفكر، فقد روي عنه (ع) أنه قال: «لَيْسَ العِبادَةُ كَثْرَةَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ انَّما العِبادَةُ في التَّفَكُّرِ في أمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
فيا أيها السالك الى الله اذا تفكرت وابتدأ سير باطنك ونفسك وعقلك وقلبك من المبدأ الى المنتهى ووصلت الى غاية آمال العارفين فأي صلة بينك وبين ربك هي أقوى من الصلاة والصوم!! ولكن أي صلاة وصوم؟! صلاة العارفين الخاشعين وصوم العارفين المحبين العاشقين!! هذا هو الملاك الحقيقي للعبادات.
واذا عملت الطاعات مع التفكر والتدبر وأشغلت فكرك في خالقك وفي ذكره وابتغيت الى الله الوسيلة التي بها أمرك وأتيت الله من الباب الذي اليه أرشدك وعملت بعد ذلك خالصا موقنا هنالك يشملك الله تعالى بكراماته وعناياته ويفيض على قلبك من فيضه وينوره بنوره.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com