جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 7/26/2013
جرية الوطن : الطريق إلى الله ...الخوف والرجاء (2)

أحبائي نكمل اليوم حديثنا عن الخوف وأهميته في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فللخوف أهمية كبرى في عالم العقيدة والايمان، فهو الذي يلهب النفوس، ويحفّزها على طاعة اللّه عز وجل، ويفطمها من عصيانه، ومن ثم يسمو بها إلى منازل المتقين الأبرار.
لذا، يعد الخوف من أفضل الفضائل النفسانية والسجايا الأخلاقية الكريمة، اذ فضيلة الشيء بقدر اعانته على السعادة، ولا سعادة كسعادة لقاء الله والقرب منه، ولا وصول اليها الا بتحصيل محبته والانس به، ولا يحصل ذلك الا بانقلاع حب الدنيا من القلب، وقمع لذاتها وشهواتها، وأقوى ما تنقمع به الشهوة هو نار الخوف، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات، لذلك فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات ويكف من المعاصى ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف.
وكلما تجاوبت مشاعر الخشية والخوف في النفس، صقلتها وسَمَت بها إلى أوج ملائكي رفيع، يحيل الإنسان ملاكاً في طيبته ومثاليته، كما صوره الامام علي (ع) وهو يقارن بين الملك والإنسان والحيوان، فقال: «ان اللّه عز وجل ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما.فمن غلب عقلهُ شهوته، فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم».
من أجل ذلك نجد الخائف من اللّه تعالى يستسهل عناء طاعته، ويستحلي مرارتها، ويستوخم حلاوة المعاصي والآثام، خشية من سخطه وخوفاً من عقابه.
وأما درجات الخوف فأقلها ان يكف عن المحظورات ويسمى الكف عنها «ورعاً»، فان زادت قوته كف عن الشبهات، ويسمى ذلك «تقوى» اذ التقوى ان يترك ما يريبه إلى مالا يريبه، وقد يحمله على ترك مالا بأس به مخافة ما به بأس، وهو الصدق في التقوى، فاذا انضم اليه التجرد للخدمة، وصار ممن لا يبني مالا يسكنه، ولا يجمع مالا يأكله، ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنه يفارقها، ولا يصرف إلى غير الله نفساً من أنفاسه، فهو «الصدق»، ويسمى صاحبه «صديقاً»، فيدخل في الصدق التقوى، وفي التقوى الورع، وفي الورع العفة، لأنها عبارة عن الامتناع من مقتضى الشهوات، وعند ذلك يؤثر الخوف في الجوارح بالكف والاقدام.
وللخوف مراتب، فخوف العوام من عذاب الله وانتقامه وسخطه، وخوف المحبين وأرباب القلوب من خطر بُعده وفراقه واعراضه لما أعطتهم المعرفة بصفاته واسمائه من الهيبة والعظمة والاجلال وما عرفوه من حقيقة كلمة: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَه} ) آل عمران:28)، فأعلم الناس بالله أخوفهم له، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا أخْوَفُكُمْ للهِ لأنه أشدهم حبا لله وأعلمهم به فأخوفهم له.
وقال الصادق: «حُسْنُ الظَّنِّ بالله ألا ترْجو الاَّ اللهَ ولا تخافَ الاَّ ذنبَكَ «، فالعارف المحب يرى ان الذنب ظلمة والظلمة حجاب والحجاب بُعد والبعد عذاب.
وضد الخوف الأمن من مكر الله، وهو من المهلكات، وقد ورد به الذم في الآيات والاخبار، حيث قال الله سبحانه: {فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون} (الاعراف:99).
لذا، ينبغي للمؤمن ألا يأمن من مكر ربه، كما لم يأمن منه الملائكة والانبياء، واذا لم يأمن منه كان خائفاً منه دائماً.
هذا وللرجاء حد وللخوف حد، فاذا تجاوز الرجاء إلى الأمن فهو خسران مبين، واذا تجاوز الخوف إلى القنوط واليأس فهو كفر وضلال، ولابد من الاعتدال في كفتيهما فلا يغلب الرجاء على الخوف ولا الخوف على الرجاء، فعن الامام الباقر(ع): «لَيسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤمِنٍ الاَّ وفي قَلْبِهِ نوران نورٌ مِنْ خِيفَةٍ ونورٌ مِنْ رَجاءٍ لَوْ وُزنَ هذا لَمْ يَزِدْ عَلَى هذا ولَوْ وُزنَ هذا لَمْ يَزِدْ عَلَى هذا».
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المؤمن بين خوفين:خوف ما مضى وخوف ما بقي، وبموت النفس تكون حياة القلب، وبحياة القلب البلوغ بالاستقامة، ومن عبدالله على ميزان الخوف والرجاء لا يضل ويصل إلى مأموله، وكيف لا يخاف العبد وهو غير عالم بما يختم صحيفته، ولا له عمل يتوسل به استحقاقاً، ولا قدرة له على شيء ولا مفر وكيف لا يرجو وهو يعرف نفسه بالعجز، وهو غريق في بحر آلاء الله ونعمائه من حيث لا تحصى ولا تعد والمحب يعبد ربه على الرجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر، والزاهد يعبد على الخوف».
وقال الامام على (ع): «ان استطعتم ان يشتدَّ خوفكم من الله وأن يحسن ظنّكم به، فاجمعوا بينهما، فانّ العبد انّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه، وانّ أحسن الناس ظنّاً بالله أشدهم خوفاً لله».
لذا، ينبغي على المؤمن ان يراقب نفسه بدقة بالغة حتى لا يغلب رجاؤه خوفه ولا خوفه رجاءه، وبهذه الموازنة بين الخوف والرجاء ينشط للعمل والتقرب إلى الله عزّ وجلّ بالطاعات والعبادات.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com