جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/1/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله ...الوفاء (1)



الوفاء صفة للحق تبارك وتعالى والوفيُّ اسم من اسمائه الحسنى، ولا أحد أكثر وفاء من الله كما قال تعالى عن نفسه: {وَمَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} (التوبة: 111) فانه ان وَعَد لا يخلف الميعاد، وأكمل ما يكون عليه العبد في اتصافه بصفات الحق والتخلق باسمائه، فكان الوفاء علامة أهل الدين وشيمة أولياء الله الصالحين وزينة خِيرةَ عباده الصادقين.
والوفاء صفة محمودة وخُلُق شريف ضده الغدر والخيانة والجفاء وهو ترك الوفاء ونقض العهد وقيل ان الوفاء ايفاء كل ذي حق حقه تاما وافيا بِرّاً كان أو فاجراً، فلا يستعمل فيه غرض النفس والطبع والهوى أيّاً ما كان، متأسِّيا في ذلك بالله سبحانه {الَّذِي أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقهُ} (طه: 50)، فالرب المفيض لكل شيء أعطى كل شيء غاية كماله ولم ينقصه شيئا والعبد الوفيُّ من عرف الحقوق وأهلها فأوفاها، ومن لم يوفِّها كان من الخائنين.
والصدق ينبوع الوفاء، والوفيُّ لا يكون وفيّاً الا اذا كان صادقا في أقواله وأفعاله وأحواله، قال الامام علي بن أبي طالب (ع): «الوفاءُ تَوْأمُ الصِّدْقِ وَلا أعْلَمُ جُنَّةً أوْقَى مِنْها»، وللوفاء معان ومفاهيم متعددة نذكر جملة منها:
المعنى الأول: العمل بالعهد والميثاق (العهد التكويني)
حين قبض الله تعالى الذرية من ظهور بني آدم (ع) أشهدهم على أنفسهم بالعبودية لله تعالى ولله تعالى بالربوبية عليهم، فأقروا له بذلك بلسان فطرتهم، وامتثلوا لأمره تكويناً، وأصبحوا عباده ذاتاً، قال تعالى: {وَاذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهمْ عَلَى أنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا ان تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ انَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172).
وقد أمرنا الحق سبحانه بالعلم بتوحيده لا العلم بذاته الذي نهى عنه بقوله: {ويحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} (آل عمران: 28)، ونهانا عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «تَفَكَّروا في خَلْقِ الله ولا تَفَكَّروا في الله فتَهلَكوا»، فلا سبيل لأحد من الوصول الى كنه ذات الحق المقدسة المنزهة.
وقيل ان للوفاء بعهد الله عرْض عريض، فأول مراتبه الاتيان بكلمتي الشهادة وآخرها الاستغراق في بحر التوحيد وفناء أهل الوحدة في الذات بحيث يغفل العبد عن نفسه فضلا عن غيره.
فالعبد مُطالَب ان يعامل ربَّه بالوفاء على العهد الخالص والميثاق القديم فلا ينازعه في ربوبيته ولا يزاحمه في ألوهيَّته لا لنفسه ولا لغيره من المخلوقات، ويرفض الأنداد من دونه ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، بل يقرُّ بوحدانية الربوبية والألوهية للحق سبحانه، ليعلم الله تعالى من هو صادق في دعواه ومن هو كاذب، وصِدْق الدعوى لا يتحقق الا بالوفاء بعهد المعبود سبحانه وهي - الى جانب التقوى – من الشرائط التي لو تمَّت دخل العبد في زمرة المتقين، وحصل بها على نصيبه من المحبة والولاية الالهية والسعادة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {بَلى مَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَانَّ اللهَ يُحِبُّ المتقين} (آل عمران: 76)، فمن أوفى بالعهد والميثاق الذي أخذه الله عليه وقام بآداب الحق وتحقق بجميع معاني العبودية لله تعالى فقد فاز فوزا عظيما بنيل مراتب القرب والوصال والتطهير بماء الرحمة والغفران وتبعاتها من النظر والتكليم يوم القيامة، ومن لم يفِ بعهد الله وميثاقه فقد ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، وخسر في الآخرة خسرانا مبينا بالقطع والابعاد وأليم العذاب وتبعاتها من عدم النظر والخسوء يوم القيامة، وهو قوله تعالى {انَّ الَّذِينَ يَشْتَروُنَ بِعَهْدِ الله وَايمِانهم ثَمَناً قَلِيلاً أولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لهم في الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ الَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلهمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} (آل عمران: 77).
قال الباري عزَّ وجلَّ: {أفَمَن يَعْلَمُ أنّما أُنزِلَ الَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعْمَى انَّما يَتَذَكَّرُ أولُوا الألْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق} (الرعد: 20-19)، فالله سبحانه وتعالى أشهد العباد على أنفسهم بالربوبية له، وأخذ عليهم عهدا بأن لا يعبدوا الا ايَّاه، ولما خلق الخلق وأخرجهم الى الحياة الدنيا وأرسل اليهم الرسل بالآيات البيِّنات والمعجزات والدلالات انقسموا الى فريقين من حيث الوفاء بالعهد وعدمها، ففريق عرف الحق وكان ذا بصيرة تذكَّر بها ما عاهد عليه الله، فبقي على فطرته الأصلية الذاتية، وثبت على الوفاء به، وأطاع الحق واستجاب له فيما أمره ونهاه، وكان فيمن وصفهم الله تعالى بأولي الألباب، وفريق جهل الحق وكان أعمى، فنسي ما عاهد عليه الله، وخرج عن الفطرة الأولى، فزلَّت قدمه عن الوفاء به، وجحد الحق فيما أمره ونهاه وكان من الفاسقين، قال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ منْ عَهْدٍ وَان وَجَدْنَا أكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} (الأعراف: 102).
وفي الوفاء بالعهد مع الناس عامة قال الله تعالى: {والَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8)، وعن الباقر (ع) قال: «ثلاثٌ لم يجْعَلْ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لأحَدٍ فيهِنَّ رُخْصَةً أداءُ الأمانَةِ الى البِرِّ والفاجِرِ والوَفاءُ بالعَهْدِ لِلْبِرِّ والفاجِرِ وبِرُّ الوالِدَيْنِ بِرَّيْنِ كانا أو فاجِرَين»، فهو من الواجبات التي فرضها الله تعالى ومن الثلاثة التي لم يجعل الله تعالى فيهن رخصة لاسيما مع الأصحاب والاخوان في الله: «فانَّ الأخُوَّةَ عَقْدٌ يَجِبُ الوَفاءُ بهِ»، وقال تعالى: {ان الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (الاسراء: 34)، فلولا وجوبه لم يكن مسؤولا عنه ومعاتَب على نكثه يوم القيامة، وهي من الحقوق التي لا يقوم بها الا من أيده الله تعالى بتوفيقه وعنايته.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي



 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com