جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/6/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله ...الجفاء (1)

الجفاء في اللغة بمعنى البعد عن الشيء، وقيل: الجفاء الغلظة في الطبع والخرق في المعاملة والفظاظة فيها ورفض الصلة والبر والرفق، ويطلق أيضا على البعد عن الآداب، وأما العرفاء فيقولون الجفاء أي الظلم، والظلم حجاب وستر وخفاء عن المعارف والمشاهد، وقيل أيضا ان الجفاء نقيض الوفاء، فالوفاء هو العمل بالعهد والجفاء هو نقض العهد، وقيل أيضا ان الجفاء عدم الوفاء في المقام والمقال.
وكما نرى من معاني الجفاء أنه قيد ووثاق على قدم المؤمن موجب لتكثير الوسائط بينه وبين الحق سبحانه واعاقته عن سرعة السير والوصول الى الكمال المطلوب له وحبسه عن نيل الدرجات العالية والمقامات السَنيَّة، بل قد يجره الى الوراء حيث الآثار السيئة والعواقب الوخيمة التي تحول بالمرة بينه وبين ينبوع الكمال ومطلق الكمال، ويمكن ان نقول ان الجفاء آفة موبقة وخصلة مهلكة وداعية الى سخط الله عزَّ وجلَّ ويكون صاحبه آبقا عن جناب المولى سبحانه مبعَدا عن داره وحضرته.
قال الله عزَّ وجَلَّ في الوثيقة الالهية المجيدة: {ألم أعْهَدْ الَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ألاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ انَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأنِ اعْبُدُوني هَذَا صِرَاطٌ مٌسْتَقِيمٌ} )يس: 61-60)، وقال عزَّ وجَلَّ فيما يسمَّى بقضاء العهد: {وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا الاَّ ايَّاهُ} )الاسراء: 23).
اعلم أيها السالك الى الله ان منشأ السعادة البشرية أو شقاءها اما طاعة الله تعالى أو عصيانه، أو بمعنى آخر اما طاعة الله تعالى أو طاعة الشيطان التي تتمثل فيها كل معصية وضلال وجهل وعمى.
وقد أبان الله عزَّ وجلَّ في كتابه المنير سبل السعادة والرشاد والشقاء والفساد بقوله: {انَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ امَّا شَاكِراً وَامَّا كَفُوراً} )الانسان: 3(، فسبل السعادة هي الخيرات المقرِّبة الى الله تعالى وسبل الشقاء هي الشرور المبعدة عن الله تعالى.
وكل الموجودات -ومنها المؤمن والكافر- بحسب الفطرة الذاتية مسلم عارف بالله بالعلم البسيط وموحِّد بالكشف الصحيح الا ان الله جلَّ وعلا يعلم بعلمه السابق أزلا والثابت أبدا بجحود بني آدم لربوبيته وخروجهم عن حقيقة العبودية له ومحض طاعته وعصيان أمره وكفران نعمته والميل عن صراطه واحتجاب العقول بسِتر الكثرات وانغماس النفوس في بحر الشهوات وانغمار الروح في قيود التعلقات وادِّعاء المُلْكِية وحق التصرف بعدما أخرجهم برحمته وَجوده من ظلمة العدم ولم يكونوا من قبل شيئا مذكورا، ثم ألبسهم خلعة الوجود بكلمة ﴿كنُ﴾ وأنزلهم الى العالم الأدنى، ولولا علمه السابق بذلك لَمَا كتب عليهم عهدا دون سائر خلقه، ولما قال فيهم مؤكِّدا: {انَّ الانسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (العصر: 2(، فهو مع صرف عمره ونقصه في خسران نفسٍ دائم وهلاكٍ مستمر بارتكاب المعاصي والكفر بالله وعدم الوفاء بالعهد {الاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ} )العصر: 3).
فعدم وفاء العبد بالعهد السابق الأزلي لاحتجابه بالغواشي الظلمانية والتخلي عن المعرفة الفطرية الأولى انما هو لنقص استعداده وخسران رأس ماله الذي هو العمر والاستعداد لتضييعهما فيما هو فانٍ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أبْغضُ الهٍ عُبِدَ في الأرْضِ عِندَ الله الهَوَى»، ولمناسبة الاتحاد بين الهوى والشيطان فان الهوى وما يتشعب منها من صفات بشرية رذيلة كالطمع والغضب والشهوة والحرص والحقد والحسد وغيرها مسكن للشيطان ومرتع يجول فيها بوساوسه كيف يشاء، ويزينها بزخارفه الخادعة، ويصبغها بصبغته الزائفة، ويبني حولها سدا رفيعا مصمتا يمنع نفوذ الأنوار الالهية اليها، ويدفن في ساحتها الفطرة الأولى، حتى اذا ما انغمر فيها أصحابها والتفَّت حولهم شباكها وضعفت قواهم عن الخلاص منها وبلغ الشيطان أمنيته ونال بغيته وتمت حيلته يأتيهم في خاتمة المطاف يوم يُقضَي الأمر ويحسُم الموقف ويُفرَغ من الحكم بين الخلائق والحساب فيخذلهم قائلا: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِن سُلْطَانٍ الاَّ ان دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي} )ابراهيم: 22)، أي اني خال من البرهان ولا حجة لي فيما كنت أدعوكم اليه سوى ما كان لي من الوسوسة والدعوة والاغواء ولم أجبركم على ذلك قسرا ولا قهرا ولا اكراها، وحين لا تنفع الحسرة والندامة يقول لهم مستهزئا: {فَلاَ تَلُومُوني وَلُومُوا أنفُسَكُمْ} (ابراهيم: 22) حيث عدلتم عن أمر الله وتركتموه.
وعلى هذا يمكن القول ان اتباع الانسان مقتضى شهوته ومستلَذِّها هو تعبُّد الهوى، ومع تعبُّد الهوى يظهر تسلط الشيطان وولايته عليه، والتي هي - بعبارة أخرى - تعبُّد للشيطان، لأن اتباع الهوى بأمر الشيطان ووحيه وتسويله عبادة له كما ان اتباع الرسل وطاعتهم بأمر الله تعالى عبادة لله وطاعة، ولهذا فان اتباع الهوى وتعبُّدها جحود للحق وان عبادة الشيطان المذكورة في الآية الكريمة: {ألم أعْهَدْ الَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ ألاَّ تَعْبُدُوا الشيْطَانَ} هي الجفاء الأعظم فيما عاهد به الانسان ربه من توحيده في عبادته وربوبيته.

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com