جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/7/2013
جريدة الوطن : الطريق إلى الله ...الجفاء (2)


السلام عليكم.. اليوم نكمل حديثنا عن تلك العثرة في طريقنا الى الله.. الا وهي عثرة الجفاء فنجد ان من المفردات المرادفة للجفاء الفسوق والاباق، فالفسوق في اللغة هو الخروج عن طاعة الله وترك أمره والخروج عن طريق الحق والميل الى المعصية، والاباق هروب العبد من خدمة سيده ومولاه، وقد ذكر الله تعالى في كتابه نقْض عهده والخروج عن طاعته - وكلها معاني ومفاهيم الجفاء - تحت عنوان الفسوق وقال: {وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَانْ وَجَدْنَا أكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}) الأعراف: 102) أي خارجين عن الوفاء بالعهد.
فالفاسقون هم الجفاة الناقضون لعهد الله من بعد ميثاقه، ويؤكده قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَمَا يَضِلُّ بِهِ الاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ{ (البقرة: 27-26) وكذلك ما ورد في روايات أهل البيت (ع) ان الجفاء شعبة من الفسوق.
والله سبحانه وتعالى قد أوجب على نفسه الوفاء وقال: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} وهو الصادق في خبره بشرط ان تفي بعهد الله الذي طلبه منك بقوله: {أوْفُوا بِعَهْدِي}، فأوجب على نفسه كما أوجب عليك، فدلَّ على كرمه ولطفه وفضله بالنزول الى عباده، فأما من جانب الحق فالوفاء بلا شك وترديد صفة الهية قطعية بأن الحق سبحانه يوفي بكل ما أوجبه على نفسه {وَمَنْ أوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله} (التوبة: 111)، وأما من جانبك أيها العبد فانظر في نفسك هل وفيت بعهد الله؟ ان لم تكن كذلك فللَّه الحجة البالغة في عدم وفائك له ولا حجة لك في ذلك وما ربُّك بظلاَّم للعبيد، وأما ان كنت من الأوفياء لله فانظر في نفسك تارة أخرى هل أتممت له الوفاء أم لا؟ فان للوفاء درجات ومقامات، وكلما كان وفاؤك خالصا نقيا لا يشوبه درن الجفاء كنت أحب الى الله تعالى وأعظم منزلة.
قال تعالى: {وَابْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (النجم: 37)، قيل أي أكمل وأتَمَّ وبالغ في الوفاء بما أوجب الله عليه من كل ما أُمِر وامتُحِن به وصبر على ذبح ولده وعلى نار نمرود وغير ذلك بيقين ثابت.
ولهذا كانت خيانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم الخيانات لأنها مقرونة بخيانة الله جلَّ جلالُه، وأن قوله عزَّ وجلَّ: {وَان يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِن قَبْلُ} )الأنفال: 71)، وقوله عزَّ وجلَّ: }يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ} (الأنفال: 27) لدليل على ان خيانة الرسول لا تنفكُّ عن خيانة الله وأنها تؤدي الى الكفر والضلال، فكما ان خيانة الله تعالى بترك فرائضه وأحكامه فان خيانة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بترك سنته وشريعته.
واليك أيها السالك المحب لله هذه الوصية العرفانية: يقول العرفاء ان الأجير خادم أجرته فهو خادم نفسه لا خادم سيده، فليكن وفاؤك وفاء العبيد المملوكين لله العاملين بمقام العبودية في مُلك الله الملازمين لباب الله لا وفاء الأُجَراء الذين لايزال نظرهم على الأجرة ولا حق لهم في التصرف في ملك الله والاطِّلاع على أسراره وحُكِم عليهم بالانصراف عن بابه والبعد عن داره وجنة لقائه بعد ان يوَفى اليهم أجورهم، واحذر ان تخالط وفاءك بشيء من الجفاء فيبعدك عن الحق أو يبطئ السير اليه وتكون بغفلتك أو جهلك من أولي الجفاء حين الوفاء.
ومن أعظم وثائق الحق سبحانه على عباده ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته وهو القرآن المجيد وأهل البيت (ع) - فضلا عن نفسه الشريفة، وكلهم نور واحد -، ولذا كان أعظم الجفاء للحق سبحانه هو الجفاء في حقهما.
فأما القرآن المجيد فهو الوثيقة الالهية المكتوبة بين العبد وربه والذكر المبارك الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعدم تلاوته وهجره والاستخفاف به وعدم تعلُّمه وتعليمه والعلم بمعانيه والعمل بأحكامه وانكار حقه والجهل بعظيم نعمته بل وتفسيره بالرأي وتأويله على غير الوجه الصحيح له جفاء في حق الله تعالى، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناصحا أمته: «اقْرَأوا القُرْآنَ وَلا تَجْفُوا عَنْهُ»، أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن قراءته.
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي يوم القيامة ويبث شكواه الى الحق ويقول: {يَا رَبِّ ان قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان: 30) ذلك بأن عامة الأمة هجرت القرآن وجَفَت حقَّه اللَّهم الا الآحاد من أولياء الله وأهل القرآن الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أهْلُ القُرْآنِ أهْلُ الله وَخاصَّتُهُ» فالقرآن كلام الله وأهله أهل الله.
وأما أهل بيت النبوة والرسالة فهم معدن علم الله ومهبط وحيه وحفظة سره وحججه على خلقه، قَرَنهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وقرن القرآن بهم، اذ هم المتعبدون بحفظ القرآن وبيان حقائقه، والعارفون بجلائله ودقائقه، فكان العدول عنهم وانكار فضائلهم ومناقبهم وعلومهم وهجْرهم جفاء لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وظلم يعود وباله على من جفا حقهم فيذوق مرارة الحسرة وألم الندامة يوم القيامة حيث يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالم عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لم أتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ اذْ جَاءني وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلانسَانِ خَذُولاً} )الفرقان: 29-27).

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي


 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com