جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 5/30/2014
جريدة الوطن .. {فكان قاب قوسين أو أدنى} ..

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انّه هو السميع البصير} (الاسراء: 1).
حادثة اسراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعراجه الى السماوات السبع، والعجائب التي رآها وسمعها في هذا السفر الملكوتي شيقة وقيّمة ونستطيع ان نقول أنها من المراحل الهامة في الحياة المشرقة لرسول الله (ص)، وعلى الرغم من ان مدتّها قصيرة الا أنها ذات معان كثيرة ومناهج تربوية وعلمية عظيمة ورائعة، فهي ليست شريعة أرضية أو سماوية فقط، بل هي شريعة عالمية، فبالاضافة الى أنها وضحت الأسرار والعلوم الغيبية والأمور علناً، حوت أيضاً على نقاط ظريفة ودروس وعبر لطيفة جداً والتي يعتبر معرفتها من الضروريات لكل فرد مسلم في سيره لطي مراحل التكامل، فتنير قلبه وتصبح آفاق فكره غير محدودة وبلا نهاية، وتزيد من معلوماته ومعنوياته ومن ادراكه وتخرجه من الحدود والعوالم المادية فيعلو ويسمو في عالم المعنويات، كما هو الدال عليه معنى كلمة المعراج.
وقد صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا السفر السماوي العظيم والعجيب الى السماوات السبع، والتقى بالرسل والأنبياء والملائكة المقرّبين وغير المقرّبين، ورأى عجائب الخلقة، والجنة والنار، وبلغ في صعوده الى الذروة التي لم يبلغ اليها أي موجود حي في هذا العالم حتى ان جبرائيل (ع) لما وصل الى هذه النقطة توقف وقال: لو دنوتُ أنملةً لاحترقت، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة النجم الآية التاسعة: {فكان قاب قوسين أو أدنى}.
وقد افتخر الامام السجاد (ع) بهذه الميزة العظيمة في احدى خطبه وقال: أنا بن من أُسري به الى المسجد الأقصى، أنا بن من بُلغ به الى سدرة المنتهى، أنا بن من دنا فتدلى وكان قاب قوسين أو أدنى.
فمن الدروس التي يستفيدها الانسان من حادثة الاسراء والمعراج هي ان العبودية لله عزّ جلّ هي أساس وأصل لقمّة تكامل الانسان، اذ ان ورود كلمة «عبد» في سورة الاسراء والتي اشتقت من العبودية، دالّة على مراقي الطاعة والعبودية التي قطعها رسول الله (ص) حتى استحق شرف «الاسراء»، وفي الحقيقة والواقع لم يرفع المعراج رسول الله (ص) وانما عبوديته الخالصة أوجبت اسراءه ومعراجه.
والآية العاشرة من سورة النجم والتي تبيّن آخر نقطة وصل اليها رسول الله (ص) في سيره ومعراجه أيضاً نصّت على عبودية رسول الله (ص) حيث نقرأ: «فأوحى الى عبده ما أوحى»، هذا الوحي هو مناجاة خاصّ الخاصّ والتي كانت من نصيب رسول الله (ص) فقط عند سدرة المنتهى، والشيء الذي يجب التوجه اليه هو ان كلمة «عبد» في هذه الآية تشير الى قمة عبودية محمد (ص) والتي أوصلته الى هذه القمة في العناية الالهية الخاصة وعبوديته المحضة لله عزّ وجلّ ووصوله الى مقامات معنوية عالية ولهذا السبب نشهد في الصلاة أولاً بعبوديته (ص) ثم نشهد برسالته فنقول» أشهد ان محمداً عبده ورسوله».
والعبودية هي نهاية الخضوع والتسليم لله سبحانه وتعالى، فقد كان أساس وأصل مراحل تكامل سيدنا ابراهيم (ع) عبوديته لله عزّ وجلّ ثم من بعد ذلك نال مرتبة النبوة والرسالة والخلّة (خليل) والامامة، وسيدنا عيسى (ع) عندما تكلّم في المهد، تحدّث في البداية عن عبوديته ثم تكلم عن الرسالة وسائر صفاته {قال اني عبدالله أتاني الكتاب وجعلني نبيّاً...} (مريم: 30 وحتى 33).
روى ابن عباس أنه: لما استعد رسول الله (ص) للاسراء هبط مع جبرائيل ملك لم يطأ الارض قط، معه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمد ان ربك يقرئك السلام ويقول هذه مفاتيح خزائن الارض فان شئت فكن نبياً عبداً وان شئت فكن نبياً ملكاً، فقال: بل أكون نبياً عبداً.
لذا كان النبي (ص) يعمل على أساس العبودية لله عزّ وجلّ حتى بعد تأسيس الحكومة الاسلامية ولم يكن يشبه أي ملك من الملوك.
وهذا الحديث يبين لنا أنه كلما كانت العبودية لله أعمق وأخضع كلما ارتقى الانسان في الدرجات والمعرفة، وكلما علا المقام المعنوي للانسان ومعرفته كلما أحس بالعبودية أكثر، لذا شرط وأساس عظمة الانسان هو كمالاته المعنوية العالية.
وكما ان رسول الله صلى الله عليه وآله عرج الى السماوات، يستطيع المؤمن أيضاً العروج فقد روي عن الأئمة(ع): ان الصلاة معراج المؤمن.
وكلمة المعراج هنا تبين لنا ان العبادة الخالصة توصل الانسان الى مرحلة عالية من التقرب الى الله عزّ وجلّ والى المعراج، لذا كلما كانت عبودية الانسان خالصة وأعمق كلما اقترب بنفس المقدار الى الله سبحانه وتعالى وأصبح مظهرا لصفاته جلّ وعلا ولا يتحقق ذلك الا بتهذيب النفس وتزكيتها والتخلص من كل العلائق الدنيوية الزائلة وزخارفها.
نعم، وكما قال أحد العرفاء، ان علوم المعراج علّمتنا هذا الدرس بأن نجعل أجسامنا كالبُراق، نسير ونطير بها في عالم المعنويات ونتّخذها سلماً للوصول الى العالم العلوي والأخروي والى السعادة الأبدية.

السيد أبو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com