جريدة الوطن .. ثورة للإنسانية جمعاء ،، بقلم: سماحة السيد ابوالقاسم الديباجي    » «    جريدة الوطن .. في خطبة له بمسجد الإمام زين العابدين بحضور السيد الديباجي ،،،السيد جواد الخوئي: الكويت تعيش في نعمة الأمن والتسامح والتعايش والاعتدال    » «    جريدة القبس.. أبو القاسم الديباجي : ان الاحتفال بذكرى مولد الإمام المهدي يعد من اكبر المناسبات والأعياد التي يحتفل فيها المسلمون.    » «    جريدة الوطن .. أبوالقاسم الديباجي: الأمل بخلاص العالم من المآسي والأحزان بحكومة المهدي العالمية    » «    جريدة الراي .. الديباجي: الإمام المهدي الأمل في خلاص الأمة
 
الأخـبــــار
 
تــاريــخ : 8/4/2012
الطريق إلى الله 15 - الشوق إلى الله ( 1-2 )



أحبائي في الله. فإن من الاصول الايمانية ان يؤمن الانسان بانه ملاق ربه لا محالة، أي الايمان بالبعث بعد الموت وباليوم الآخر.. ومن طرق التقرب الى الله عز وجل ان نشتاق لذلك اليوم يوم لقاء رب العالمين ونسر بإذن الله بالنظر الى نور وجهه الكريم.
وكما ورد في المناجاة الشعبانية: «إلهي هب لي قلبا يدنيه منك شوقه، ولسانا يرفعه اليك صدقه، ونظرا يقربه منك حقه»، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعائه: «اللهم اني اسألك الرضا بعد القضاء، ورد العيش بعد الموت، ولذة النظر الى وجهك الكريم، وشوقا الى لقائك»، نعم ان من احدى الطرق التي تقربنا الى الله عز وجل الشوق الى الله والى لقائه، وهي المظنة الى الوصول اليه، والى حبه وانسه والتقرب لديه، وهو رأس مال السالكين، ومفتاح ابواب السعادة للطالبين.
والشوق والاشتياق لغة نزاع النفس الى الشيء وتوقانه الى تحصيله، والتشوق هيجان الشوق، واما عرفانا فهو احتياج القلب الى لقاء المحبوب وشوق المحب لله هو حركة الروح في طلب لقائه، ورجاء اللقاء يقتضي تلك الحركة، ولما كان وقوع اللقاء مؤكدا كما في قوله تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت} (العنكبوت: 5) فتحققه لا يكون الا بالفناء عن النفس وهو الموت الحقيقي، وعلى هذا فالشوق حركة روحانية الى لقاء المحبوب اذا كان المحبوب هو الله سبحانه، وحركة جسمانية حسية الى لقاء المحبوب اذا كان ذلك المحبوب من شكله، وفي كلتا الحالتين لابد ان يكون المشوق اليه موجودا معلوما لا معدوما مجهولا، لان الشوق للمعدوم المحض والطلب للمجهول المطلق مستحيل.
والشوق من مستلزمات المحبة واوصافها، فكل محب مشتاق وكل مشتاق محب، ومن ليس بمشتاق ليس بمحب ومن ليس بمحب ليس بمشتاق، وازدياد احدهما ازدياد للاخر ونقصانه نقصان للآخر، ولتقريب المعنى يمكن تصور ذلك كدائرة نصف محيطها يسمى المحبة ونصفه الآخر الشوق، واكتمال الدائرة يستلزم تناسبا بينهما تناسبا طرديا، فحاصل ازدياد الشوق ازدياد المحبة وحاصل ازدياد المحبة ازدياد الشوق حتى تكتمل الدائرة صحيحة لا عوج فيها، وكذلك التلازم والتناسب المؤكد بين الشوق والمعرفة، فالشوق سبيل لمعرفة الله تعالى، والحركات الشوقية موجبة للمعارف الالهية والعلوم القيمية والحقائق الكشفية، قال الامام علي (ع): «من اشتاق خدم ومن خدم اتصل ومن اتصل وصل ومن وصل عرف».
وبطريقة عكسية فان الشوق الى الحق تبارك وتعالى على قدر حبه، وحبه على قدر تجليه، وتجليه على قدر معرفته، والعبد الفاني في الله ابدا ناظر الى ربه حبا وعشقاً وشوقا، فيتجدد طرب الاشواق في قلبه بتجدد الواردات القدسية في ذاته وبحكم حقيقية المعية الإلهية المتجلية في الاية المباركة: {وهو معكم اينما كنتم} (الحديد/4).
وكلما ازداد الشوق ازداد القرب وهكذا الى ابد الاباد كما في قوله تعالى: {والذين آمنو اشد حبا لله} (البقرة: 165)، واشار الى حال المحبين سواه بقوله: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئاً} (النور: 39).
يقول الحكماء ان في كل موجود عشقاً طبيعياً وشوقاً غريزيا، وبالعشق يحفظ كمال الموجود وبالشوق يطلب كمال المفقود، وحيث لا كمال الا الله ولا استكمال موجود الا بالله فهو المقصود الحقيقي واليه المصير، ولكن هناك من غلبت عليه نشأة الحس والمادة، واستلذ بمألوفوات الدنيا ومشتهياتها، وطلب حظوظ النفس ورغبتها، وظن انها المقصودة، وزعم ان لمحبوباته الحقيقية، فمال عن عشقه الطبيعي وشوقه الغريزي للحق الى عشقها والتمتع بها والشوق اليها عند فقدها والسرور عند الظفر بها، وهو غافل عن ربه، مطرود عن جناب قربه، وفاقده وجوده في قلبه كما هو فاقده في عينه فلم يره، وناسيه فلم يطلبه، والحقيقية انه اشتبه عليه الامر، وان ما احبه معدوم ومجازي، وما طلبه باطل لا حقيقية له، فالشوق اليه – كما يقول العرفاء - توهم باطل والباطل عدم.
وهناك من ارتقى عن المرتبة الأولى وغلب عليه رجاء ثواب الآخرة وتوقف طلبه عندها، فاشتاق الى ما وعده الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله من نعيم الجنة وسرورها وقصورها واشجارها وانهارها، وعمل بتفاصيل الطاعات والعبادات وكسب الخيرات، وغايته الوصول اليها والعيش فيها والتنعيم بلذاتها وشهواتها، وهذه المرتبة مرتبة وسطية. لأن غاية شوقه الجنة المحسوسة بما فيها من حظوظ نفسه من المآكل والمشارب والمناكح، وشوقه الى الحق في الحقيقة مشوب بأغراض النفس والهوى غير فارغ عن جميع ما يشغله عن الحق سبحانه معرض عن معرفته غير متأمل بباطنه الى الحضرة الالهية وحقائق اسمائه وصفاته وافعاله.
واما من ارتقى على المرتبتين الاوليين، ونصب نفسه مخلصا لله، ورفض الدنيا والآخرة واشتاق الى لقاء الله بعدما ضاق صدره لفراقه وهجرانه، وسلك مسلكا طالبا به الله بعد فقده وبعاده، واتخذ الى موطنه الاصلي سبيل الرجوع بعد غربته وارتداده، وروض نفسه للتخلي عن كل الهمومات الا هما واحدا، ونفى عن قلبه كل المحبوبات الا محبوبا واحدا، هنالك يفتح الله له سبل اللقاء حيث يقول وقوله الحق: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (العنكبوت: 69) بأن يفيض عليه من عطفه ورحمته ولطفه وحنانه، فيعينه بها على نفسه والهوى ويزهر في قلبه مصباح الهدى فيبصر طريقه ويكمل مسيره حتى يخلصه لنفسه ويجتبيه للقائه.
قال الامام علي (ع) في حال المحب المشتاق: «أتعب نفسه لأخراه وزهد في الفاني شوقا الى مولاه»، وقال (ع) ايضا في صفات المتقين المشتاقين: «لولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر ارواحهم في ابدانهم طرفة عين شوقا الى لقاء الله والثواب وخوفا من اليم العقاب».
فطوبى للمحبين العاشقين الذين احبوا الله تعالى حب اخلاص والواصلين من السالكين الى المعارض واهل شهود الحق والعرفان الخارجين عن حظوظ انفسهم الغافلين عن مشاهدة انياتهم المضمحلة في الحق ذواتهم السالكين سلوكا روحانيا حتى تجلى ربهم في قلوبهم على الدوام فلم يفقدوه طرفة عين.
والى اللقاء بمشيئة الله تعالى في خطوة اخرى على الطريق الى الله.

السيد ابو القاسم الديباجي
الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي

 
 
 
 
 
 
 
All Rights reserved. Copy rights Dibaji Designed & Developed by Topws.com